الإثنين 10 ديسمبر 2018 م - ٢ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الشخص الموضوعي يقر بتفاوت القدرات

الشخص الموضوعي يقر بتفاوت القدرات

سعود بن علي الحارثي

” من الطبيعي أن تختلف مستويات وقدرات الموظفين المنتمين إلى مؤسسة حكومية كانت أم خاصة، وأن تتفاوت إمكاناتهم وكفاءاتهم وتتباين طرق تفكيرهم وتتعدد أنماط سلوكياتهم ونظرتهم وعمق إيمانهم بقيم العمل، وينسحب ذلك الاختلاف إلى تفاوت المستويات في القدرة على الاستيعاب والتفكير وذلك بحسب المؤثرات والفرص المتاحة والسمات الوراثية والتأثير التربوي والمستوى التعليمي …”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان مضرب المثل في الحرص على الحضور إلى العمل في الصباح الباكر والانصراف في وقت متأخر محرزا قصب السبق في ذلك وسجل أدنى نسبة خروج من المكتب مقارنة ببقية زملائه في المؤسسة، لكنه في المقابل لا يفعل شيئا ذا فائدة أكثر من احتساء أكواب الشاي والقهوة، والثرثرة والامتعاض من المسئولين في المؤسسة، وقراءة الصحف اليومية التي يضطر إلى انتظارها في مكتب الاستقبال في اليوم الذي تتأخر فيه عن موعدها مظهرا سخطه وغضبه على المتسبب في تأخيرها معتبرا سلوكه ذاك تسيبا وتقصيرا تتحمله الدائرة المسئولة أو القسم المتخصص، وهو بذلك الحرص على الحضور المبكر والالتزام بأدنى نسبة خروج من العمل أصبح كما يرى هو وينظر من زاويته الضيقة مثالا للإنسان المثابر والموظف المجتهد والمستحق الأول للترقيات والمكافآت ولا يرى في غير تلك القناعة التي ترسخت في نفسه بديلا، فحصر حقوق وواجبات الوظيفة في جزئية واحدة تتعلق بالانضباط في الحضور والالتزام بالموعد المحدد للانصراف، وتسجيل رقم قياسي في الالتزام بالبقاء في المؤسسة خلال ساعات الدوام الرسمي، أما الإخلاص في العمل، والمثابرة في إعداد وتقديم الأفكار والمبادرات التي من شأنها الارتقاء بالمؤسسة أو الدائرة وتطوير بيئة العمل، والسرعة في الإنجاز، وتقديم النموذج والمثل في القدرة على التفاني والعمل في الظروف الضاغطة لبقية زملاء العمل … فقد قرر حذفها من قاموس مسئولياته الوظيفية، سر تلك المصوغات أو القناعات العجيبة هي العجز والإهمال والخلل والقصور في التفكير والرؤية والوعي والإمكانات … ولو أن هذا الموظف وأشباهه اعترفوا بعجزهم واقتنعوا بإمكانياتهم المتواضعة وأقروا بأن قدرات وإمكانيات البشر متفاوتة وبسبب هذا التفاوت في الخبرة والتعليم والثقافة والقدرات والاجتهاد … اعتمدت آليات لتقييم الأداء وعلى ضوء النتائج تقر المكافآت والترقيات تقديرا وتحفيزا للمجتهد وتشجيعا له للاستمرار على ذات الوتيرة من النشاط والحيوية. فالشخص الموضوعي المنصف يقر بتفاوت القدرات ويعترف بأخطائه وقصوره فيكون أدعى على ضوء ذلك إلى تقييم وتقويم وإصلاح نفسه قبل حتى أن يقيمه الآخرون، وأن يسبق مسئوليه في ذلك قبل أن يقذفهم بأبشع الاتهامات ويحملهم أسباب اخفاقاته وفشله … وأن يراجع أعماله وإنجازاته ويقارنها مع أقواله. فهل يكمن الخلل في الموظف الذي يرغي ويزبد كلما صدر قرار بترقية أو مكافأة أو ترفيع أو الموافقة على إلحاق ببعثة دراسية أو دورة تدريبية لزميل له، فلا يتوانى من القيام بكل ما من شأنه إزعاج المسئولين والضغط عليهم والتشهير بهم إلى أن يضمن اللحاق بزميله ذاك، بعد أن تتم التسوية بترضيته مجاملة أو خوفا أو إغلاقا لباب تأتي منه المشاكل؟ أم أن الخلل في المؤسسة التي لم تراع الأخذ بمبدأ التقييم الإداري السليم للموظف الكاشف عن محاسنه ومثالبه في دقة وموضوعية ؟ أو لأنها لم تحتكم في المقابل إلى نتائج ذلك التقييم في منح المكافآت والترقيات؟ أو الرجوع عنها للأسباب المشار إليها أعلاه ؟ وهي إشكالية تواجهها العديد من المؤسسات الحكومية خاصة .
من الطبيعي أن تختلف مستويات وقدرات الموظفين المنتمين إلى مؤسسة حكومية كانت أم خاصة، وأن تتفاوت امكاناتهم وكفاءاتهم وتتباين طرق تفكيرهم وتتعدد أنماط سلوكياتهم ونظرتهم وعمق إيمانهم بقيم العمل، وينسحب ذلك الاختلاف إلى تفاوت المستويات في القدرة على الاستيعاب والتفكير وذلك بحسب المؤثرات والفرص المتاحة والسمات الوراثية والتأثير التربوي والمستوى التعليمي … التي تشكل جميعها عوامل رئيسية مؤثرة في تكوين الشخصية وإبراز سماتها الفكرية وخصائصها السلوكية، وقد استحدثت المؤسسات وسائل متعددة لتقييم قدرات الموظف تضمن الكشف عن امكاناته وتوثيق إسهاماته التي بذلها في طريق التطوير والارتقاء بالأداء أخذا في الاعتبار مصلحة جميع الموظفين، والحرص على خلق بيئة تنافسية شريفة تحفز على المبادرة والعطاء، ويشعر ذلك الموظف المجتهد بأن عطاءه وجهده وكفاحه مقدرة لدى الإدارة وعناصر التقييم مصاغة وفق مناهج وأسس إدارية سليمة وواضحة تعكس بيئة المؤسسة وتتوافق مع الاختصاصات والمسئوليات الوظيفية، وأخيرا فإن نتائجها وتوصياتها تبتغي توزيع فرص المكافآت والترقيات والترقي الوظيفي بحسب ما تعكسه وسائل التقييم من حقائق، أي إعطاء كل ذي حق حقه بعدالة وانصاف، على قدر ما قدم وأخلص وأضاف، هذه الأهداف الإدارية السليمة المبتغاة من وسائل التقييم إذا نفذت بكل دقة واتقان وموضوعية في بيئة تتميز بالصدق والوضوح والإخلاص فسوف تحقق العدالة في المؤسسة وتخلق الارتياح لدى فئات الموظفين خاصة الجادين منهم وحافزا لهم للمزيد من البذل والتطوير وستعالج العديد من الإشكاليات المرتبطة بالترقيات والمكافآت والمحفزات المعنوية الأخرى التي ما زالت مثار إزعاج للمسئولين وسخط واحتجاجات متواصلة من قبل العاملين وأخيرا سوف تسكت أصوات العاجزين منهم . ولكن ولأسباب تتعلق بوسائل وآليات التقييم منها على سبيل المثال : أن عناصر التقييم الموضوعة لا تمس مباشرة الاختصاص الوظيفي للموظف، أو أنها غير قادرة على نقل الصورة الحقيقية للمستوى الذي عليه الموظف من الكفاءة والقدرة والإخلاص في العمل، أو لافتقاد المسئول إلى الموضوعية أو لخلل وضعف كفاءته … فإن عناصر التقييم تتأثر سلبا ويصبح سيان وجودها من عدمه فتضيع العدالة ويتضرر موظف يستحق التقدير ويستفيد آخر يستحق اللوم والتنبيه، وبذلك يستمر السخط وتظل الاحتجاجات متوقدة داخل المؤسسة، ويستثمر الموظف الضعيف المثير للشغب قليل الانتاج هذه البيئة أفضل استثمار مستفيدا من امتيازات ليست من حقه .

إلى الأعلى