الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : هل نعيش أزمةإنتاج المعرفة؟

في العمق : هل نعيش أزمةإنتاج المعرفة؟

د. رجب بن علي العويسي

في ظل الاتساع المعرفي والشيوع المعلوماتي وما أتاحته التقنية من تعدد فرص النشر ومساحات التعبير وتداول الأفكار، تبرز على السطح تساؤلات ونقاشات عدة، لماذا لا نزال نعيش أزمة صناعة المعرفة الرصينة، وأنّما نمتلكه من معرفة ما زال يدور ضمن فلك المعرفة الاستهلاكية التي قد لا تثري الواقع بقوة حضورها،أو تؤطر مساراته بدقة تشخيصها، أو تبني أدواته بعمق فلسفتها، ثم هل نحن بحاجة إلى إعادة مواءمةالبناء الفكري للأجيال مع معطيات الواقع – في طريقة تدريسه بمؤسسات التعليم وآلية تثقيفه- بما يحفظ الخصوصيات الوطنية ويؤصل الهويات، وأين موقع خريطة التنمية الذاتية والقراءة المعمقة والمساحة المتاحة للابتكار والتجريب وصقل الخبرات وتجديد المواهب التي تقرأ مسارات التحول لدى الأجيال وتعي محددات الوعي لديه وتبرز مساحات النقد مؤطرة بالشواهد الحية والنماذج الواقعية والأدلة الرصينة، وماذا فعلنا لنمو حرية الفكر النوعي المقنن الذي يضمن تحويل الثراء المعرفي كقيمة مضافة في استراتيجيات بناء الإنسان؟
على أن هذه التساؤلات والنقاشات باتت تلقي بظلالها على مسألة إعادة الانتاج الفكري للمواطن، وتفرض واقعا جديدا على المجتمعات والحكومات أن تضع لها أجندتها الخاصة وأنماطها الفاعلة في تغيير الصورة الذهنية التي تؤمن بها الأجيال، وإعادة برمجتها بطريقة أخلاقية راقية تحفظ لها مساحات الأمان وتبني محطات الاستقرار للأوطان، وبالتالي طبيعة الأجندة التي تمتلكها المؤسسات التعليمية والاعلامية والدينية والثقافية والتدريبية والأسرية وغيرها في سبيل البناء الفكري للأجيال في طريقة التدريس وآلية التوجيه وأسلوب الخطاب، ومستوى قناعته بمصادر المعرفة الحالية وثقته في وسائلها المتنوعة، وما إذا كان بديل المنتوج المعرفي لديه بفعل التعليم والتدريب والتوجيه وبناء القدرات، قادر على صياغة لحن فكري رصين في مواجهة حالة التأزم المعرفي والتشويه الحاصل للمعلومات.
على أن مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة تواجه هي الأخرى حملة انتهاك حقوقها وتضييع مبادئها وأهدافها وضعف استثمارها، وتشويه صورة استخدامها بما يقلل من توظيفها كمنهج معرفي يحمل في ذاته مسارات تحول في شخصية الفرد، ويعكس وعيه بمقتضيات الواقع ومتغيراته، وهو سلوك كانت له انعكاساته السلبيةعلى وفرة الانتاج المعرفي الرصين والاستفادة من الأدوات الذكية للتقنية في نقل صورة العالم الواعي المتسامح، المتعالي فوق صيحات الخلاف، المستفيد من مشتركات الاختلاف في تعزيز التكامل والتناغم الفكري بين المجتمعات البشرية، وفي كل الأحداث والمواقف اليومية التي يمارسها إنسان العصر وشبابه عبر منصات التفاعل والحوار يتكررالحال، كتب ومجلدات، وشعر ونثر، ومقالات وتقارير، وقصص قصيرة ومطولات ومدونات، وفكاهات ونكت، ودروس وتحليلات، ومحاضرات وندوات، وحقائق وأمثلة ونماذج، واحصائيات وأرقام، وفتاوى وآراء وغيرها كثير، تؤلف في وصف الحدث أو في تصوير الحالة وسرد قصة الواقع، ولكنه وصف لا يتعدى في أغلب أحواله مصطلح السطحية الفكرية، فهو ” ظاهرة صوتية موقوتة ” تفتقر إلى التوازن والحكمة والقيمة الناتجة عنها التي نستلهم منها أبجديات الحياة الراقية ومفردات التنمية الواعدة، حتى أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والفضاءات المفتوحة في ظل ممارسات البعض تفتقر إلى الروح الانسانية التي تؤمن بتقبل الآخر والاندماج معه واحترام وجهة نظره، مرتبطة بأزمة المعرفة والقيم والأخلاق، وسلوك العداء والتشدد الفكري، والفوضى والثورات، وخراب البيوت وضياع الأوطان وتضييع أخلاقيات الأجيال، بل أصبح التجييش الالكتروني عبر هذه الشبكات يستهدف وحدة الأمة ونشر الفتنة وتعميق فجوة الاختلاف، وأصبحت نزالا للشتم والسب والقيل والقال في ظل انعدامها لأبسط الأخلاق ونقضها لقيمة الكلمة، وأغلب البحوث والمقالات والتحليلات في منظومتنا العربية- إن أحسنت التعبير- تضعها في القائمة السوداء، فهي لعبة عالمية تستهدف الهوية والعقيدة والشباب والتنمية وترويج الفساد والشائعات ونشر الرذيلة، مع محاولة إقصاء كل المضامين الايجابية منها، لذلك كانت بحاجة إلىمزيد من التوجيه والتقنين ، وإعادة صياغتها في ثوب الرصانة والقوة ، ولعل مؤشرات المشهد التفاعلي الحاصل عبر هذه الشبكات يعكس فراغا معرفيا وايديولوجية مقيتة تفتقر لكل معاني الحس الإنساني والمسؤولية، مما يعني أننا بحاجة إلى تجديد مداخل المعرفة لدى الأجيال وتمكينهم من إنتاجها بشكل يضمن قدرتهم على قراءة الواقع وفهم العوامل المساندة لهم في الوصول إلى عمق المعرفة الاستراتيجية، التي هي الرهان للعيش في مجتمع سريع التغيير.
من هنا تأتي أهمية سبر المعرفة العلمية لدى الأجيال، وتعميق النظرة الإيجابية لديهم حول مفهوم المعرفة الرصينة كسلوك ومنهج حياة ومحطة إنطلاقة لفهم العالم والعيش في عوالمهالمختلفة، مستفيدا من الدعم المقدم لهم على مستوى البيت والمؤسسة والمدرسة والجامعة، وفاعلية دور مراكز البحث العلمي والدراسات العليا، ومدى توفر مؤسسات الابتكار وصناعة القادة وبناء القدرات، وفاعلية مصادر التعلم والمكتبات والمراكز الثقافية وغيرها في بناء مساحات أكبر لتنقية المعرفة وترقية المفاهيم وقراءة البعد الغائب والخفي في منظومة التفكير وتصحيح الفكر، والتوسع في اللقاءات والمناظرات العلمية، والحوارات التواصلية، والشبكات المهنية، مما يعني أهمية التوجه نحو التطبيق وبناء المنهجيات العلمية القائمة على التحليل والتشخيص والدراسة والمقارنات والتركيز على الابداع والابتكار ورسم سيناريوهات الأداء وتأصيل مسارات البحث والنقد العلمي البناء، وفتح المعلبات الفكرية قبل تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي والواتس أب، إذ من شأن ذلك أن يؤسس للمعرفة الرصينة والمعلومة الصحيحة ويعزز من حضور البرامج التعليمية والاعلامية والتدريبية الاستراتيجية التيتسهم في إعادة إنتاج الفكر وتصحيح الممارسة والمفاهيم المغلوطة من مزالق السلبية والأفكار الغوغائية والتجاء الناس إلى الممارسات المقينة نظرا لضعف المنهجية العلمية في منطق تفكيرهم وفلسفتهم في الحياة، كالاتجاه نحو الشعوذة والخرافة والدجل وانتشار الفئات المروجة لهذا الأمر، وتعدد أهدافها القائمة على النصب والاحتيال، والتي أصبح المجتمع يتداولها بدون فهم لها أو إدراك لمخاطرها أو تقييم لمحتواها.
إن البحث في إعادة إنتاج المعرفة الرصينة في مواجهة الظواهر الصوتية الموقوتة والمعلومات المتداولة الهشة عبر الاشاعة والتدوير لها في شبكات التواصل الاجتماعي، يضعنا أمام مسؤولية البحث في نهضة المعرفة لدى إنسان هذا الوطن وشبابه في ظل الاستخدام المتزايد للتقنية ومنصاتها المختلفة، بحسن توجيهها لخدمته، وتيسيرها لتقود مسيرة عطائه، وفتح المجال له للبحث والدخول في أعماق المعرفة واكتشاف إعجازها، مددا يعزز حضارة الوعي لديه، ويبني رغبة التقدم والإبهار في ذاته، بعد أن نكون قدأسّسنا في إنسان هذا الوطن منهجيات العمل، وحددنا له خطوات الانجاز، وفتحنا له فرص الاختيار وتحديد البدائل، ورسمنا له أطر المعرفة المعتدلة المتوازنة التي تتعايش مع المؤتلف الإنساني وتتفاعل مع المشترك القيمي، وتجد في منظومة القيم والاخلاق طريقها لضمان قدرتها على المساهمة في توليد الجمال الفكري، وتأسيس فلسفة النقد، وصناعة معايير التقدم وتوفير البدائل التي تتناسب والخصوصية الثقافية والمعرفية،وترقية قيم التنمية وربطها بالتعايش الفكري، واحترام إنجاز الدولة، وتقدير جهود المؤسسات، وإدراك عظمة الأمن، وتأثير الإشاعة، وخطر الكلمة عندما تنال من حق الأوطان، أو تتعارض مع منهج الوحدة والتكامل، أو تحاول أن تجد في ضعف ضمير الممارسة سبيلها لتجاوز القانون، بدعوى الحرية وبقصد إثارة الرأي العام، وأن يتجاوز المنتوج الفكري المستخلص من مقاعد الدراسة وصناع الكلمة والمثقفين والكتاب والأسرة وغيرها مسببات السلبية ونوازع الاحباط والتذمر والأحكام المسبقة والاشاعة التي يمارسها البعض، وحماقاتهم التي تحاول أن تجد لصنيعها من يصفق لها بدافع الشهرة وكسب الأصوات. عندها نستطيع أن نحوّل افكارنا من مجرد ظاهرة صوتية وفرقعات كلامية إعلامية متناقضة، إلى منتوج معرفي رصين، وصناعة فكرية ذات قيمة، يمتهنها الإنسان ويصقلها بأخلاقه ويرويها بحس انتمائه وإخلاصه لهذا الوطن الغالي.

إلى الأعلى