السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنان الفلسطيني فادي ثابت

قراءة في تجربة الفنان الفلسطيني فادي ثابت

يوميات المدينة: جماليات الكتابة الأخرى

الفوتوغرافيا هذا الفن المتجدد والمتطور أخذ بمرور الوقت مكانة كبيرة في ترجمة افكار وفلسفات المصور-الفنان- شأنه في ذلك شأن بقية الفنون، حيث ساهم التقدم التقني والتكنولوجي في تقديم حلول اضافية واعطاء مكانة أكبر للصورة الملتقطة بالكاميرا خاصة في ظل توفر برامج معالجة الصور لتقديمها في أبهى تجلياتها. هذه التجليات تقدم لنا جماليات الواقع المرئي كما المتخيل المركب …حيث يمكننا المصور الفنان من خلال ابداعاته من رؤية الواقع بطرق مبدعة ومختلفة اما بتحفيز المتخيّل وتركيب الصور لخلق واقع مغاير واما بتسليط الضوء على اليومي وتفاصيله العميقة والحقيقية لإظهار جماليات المتداول والمعيش، حيث يتطلب النبش في المكتسب والمتكرر بحثا عن الجمال قدرة أكبر واحساسا أعمق من قبل المصور وهذا ما يقوم به الفنان الفلسطيني فادي ثابت ويعكسه في أعماله في كل مرة بأسلوب مختلف.
• يوميات المدينة : جماليات تراجيديا اليومي
فادي ثابت هو مدرس تربية فنية ترك الرسم وتوجه نحو الفوتوغرافيا بعشق وولع طفل كبير. يلتقط يوميات شعب غزة قناعة وايمانا منه بإمكانية نشر صورة مختلفة لهذا الوطن المضطهد، ليخبر العالم بأن مواطن الجمال تكمن في أعماق هذا الشعب الذي يعشق الحياة، فيلمع من خلال عيون أطفال غزة الملونة نورا عميقا كما ترتسم على ثغورهم ابتسامات التحدي، وتنطبع على بشرة شيوخها وعجائزها تجاعيد الصبر والكفاح، كما يقف شبابها رغم بتر الأيادي والسيقان بشموخ الأشجار. ولمشاهد الشروق والغروب سحر خاص يعكس الجانب الحميم لمدينة غزة والذي يتوجب على الفنان ضبط موعد دقيق معه.
يلاحظ المتأمل لأعمال الفنان فادي ثابت أنه يكتب من خلال مشاهده يوميات المدينة، يوميات يلاحق تفاصيلها منذ بزوغ الفجر وحتى انبلاج ساعات النهار الاولى وما يصاحبها من عادات يومية بضجيجها ولعبها، يعيش الفنان من خلالها تفاصيل مدينته بدقة يرصد من خلالها جماليات تراجيديا اليومي، فمن خلال معاناة الأطفال وملابسهم الرثة وصعوبة حياة العائلة ومحاربتهم من اجل خبزهم اليومي، كما تفاصيل ضحايا الحرب ومعاناتهم الجسدية…يحاول الفنان تسليط الضوء على ذلك الجانب المضيء الذي يسكن الروح ذلك الجانب الذي يأبى الاستسلام فتنفجر الضياء و الضحكات وأصوات الأغنيات، وتنفتح الاذرع نحو السماء، فتستمع من خلال الصورة الى صرير العجلات وقهقهات العجائز وأصوات الباعة والأطفال وهم يلعبون، وتغريد العصافير وأصوات امواج البحر…حتى الصمت الذي يرتسم على ملامح بورتريهات الفنان يمكنك سماع حديثه فلكل وجه من وجوهه تأملات وأحلام وأفكار وآراء مختلفة يلتقطها الفنان من خلال تثبيت اللحظة تلك التي تقول كل شيء.
• الصورة كتابة أخرى:
بالإضافة الى المشاهد اليومية الجاهزة التي يطاردها ويلتقطها الفنان كما تأثيرات الضياء عليها يوميا بروح صياد، يكتب فادي مشاهد أخرى بدرجة عالية من الحبكة مستغلا في ذلك روح المكان وطواعية الشخصيات وقدراته التقنية التي يكتسبها يوميا ليخاطبنا بأساليب تعبير مختلفة، فيحتضن الميناء وشاطئ البحر والحقول والسوق والسماء والمدرسة… مشاهده الممسرحة ليقتلع الروح الراقصة للصياد والفارس والتلميذ والمحارب والطفل والطير من أعماقها ويعطيها مساحة للتجلي.
يتلاعب الفنان بتركيبات مشاهده ورغم ذلك هي تلقائية وطبيعية بحيث ترقص روح الصورة بوضوح أمام عيني المشاهد مستثمرا في ذلك خبراته كتشكيلي، فيراوح بين الاعمال التي تبنى إما عموديا أو أفقيا من ناحية كما يراوح بين التي تركز على تفصيل بعينها والاخرى التي تركز على المشهد في كليته، كما ينوع الفنان في معالجاته اللونية فما بين الصورة التي تحافظ على ألوانها في الواقع بكل تبايناتها، وتلك التي يعمل الفنان على معالجتها لونيا كأن يشتغل بالأبيض والاسود حينا ليبرز قوة وعمق ملامح الشخصيات او المشهد من خلال تلك التباينات التي يخلقها الفنان بين الضوء والظلّ. كما توظيف المونوكروم في احيان اخرى مع اضافة الأسود لمعانقة التجريد واختزال التعبير الى اقصى الحالات، كان يوظف مشهد الغروب او الشروق على الشاطئ او في الحقل فيحتفظ فقط باللون الاصفر او البرتقالي او الاحمر اضافة الى الاسود الذي يختزل حركة الصياد وشبكته او الفارس وفرسه او الام وطفلها، كما الطفل وكرته والحمار وعربته المحملة والراعي وخرفانه…من دون تفاصيل، او حركة الطيور في السماء ما بين ابيض وازرق، كما يلعب الفنان على قوة اللون من خلال تركيباته كأن يركز على لون غطاء الرأس الاخضر على رأس فتاة بعينين خضراوين ويقلص من قوة لون الملابس الاخرى فتتماهى مع الألوان الترابية للوجه والشعر فتجد نفسك مركزا مع العينين والابتسامة التي استفزها اللون لتظهر بقوة أكبر.
جاءت كل هذه المعالجات المختلفة والمتنوعة للشكل واللون والضوء والتركيبة حسب نوعية الموضوع المعالج فبرز لنا الفنان مدركا لكل التفاصيل والعناصر المكونة لأعماله الفنية التي تبدع في كل مرة موضوعا جديدا يترجم جماليات التفاصيل اليومية المعاشة في عزة رغم الحصار والحرب والاعتداءات، حيث يغازل فادي ثابت البحر والمراكب والطيور والاطفال والشيوخ والشباب كما الحيوانات والازقة والجدران والابواب والنوافذ… لتكشف الصورة على ابعادها الرمزية اضافة الى ابعادها الجمالية والتشكيلية الكبيرة، فيخاطبنا من خلال رمزية امتداد وزرقة البحر والسماء وانفتاح وعراقة النوافذ والابواب وحرية الطير وخفة المراكب، وقوة الفارس وصبر الصياد وتلقائية الطفولة وحكمة الشيوخ والعجائز وتحدي الشباب…ليوصل تلك الرسالة المختلفة عن الحياة في غزة، الصورة التي تتحدى النمطية والمعتاد فوصل من خلال هذا التوجه الى اكبر عدد من الجمهور لأنه كتب بأسلوب مختلف يوميات مدينته، ولأنه ضمّن الحرية وبشائر النصر وحب الحياة والاستمتاع ببساطة المكتسب واليومي ضمن رؤاه الفنية التي كسرت الحصار المفروض على غزة ومنها فلسطين وغزت أعماله مواقع وصحف وقاعات عرض عالمية كما تحصل على العديد من الجوائز.

الباحثة والتشكيلية التونسية: دلال صماري

إلى الأعلى