الإثنين 10 ديسمبر 2018 م - ٢ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التقارير السوداء” سلطنة عُمان في مواجهة الإعلام الاستلابي” (2-2)

التقارير السوداء” سلطنة عُمان في مواجهة الإعلام الاستلابي” (2-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” كلي غرابة من خبث بعض التقارير الإعلامية المسيسة والتي تمزج السم بالعسل بين الحين والآخر عبر أسلوب خلط عباراتها وجملها واسئلتها الإعلامية. فبينما يتحدث التقرير الصادر عن موقع (Al-Monitor) عن “حماية عمان التي وصفها بـ”الدولة الخليجية المحايدة” فهو يربطها في ذات الوقت بقضية تهريب الأسلحة إلى اليمن واستغلال إيران لعلاقاته الجوارية بها.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يشير التقرير الصادر عن موقع (Al-Monitor) الأميركي والذي جاء تحت عنوان: الكونجرس يسعى إلى عزل سلطنة عمان عن عدم الاستقرار في اليمن للكاتب بريانت هارس ( إلى أن الهدف من عزل السلطنة قد يكون وضع حدا للتهريب عبر الطرقات التي يُزعَم أن إيران تستخدمها في سلطنة عُمان، وكذلك حماية عمان التي وصفها بـ”الدولة الخليجية المحايدة” ). وهو للأسف الشديد نفس ما جاء في تقرير Wall Street Journal الموسوم بلعبة عمان الخطرة المزدوجة. حيث يضرب بعض الأمثلة التي تناقلتها وكالات الإعلام كرويترز ومنظمة أبحاث التسلح في النزاعات، وهي منظمة غير حكومية مقرها المملكة المتحدة والتي تؤكد تلك المزاعم والاتهامات التي طالما نفتها الحكومة العمانية وطالبت بأدلة من جهات رسمية عليها. ولكن للأسف الشديد لم تتجرأ أي حكومة على القيام بذلك بالرغم من تصريح الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية معالي يوسف بن علوي بن عبدالله بذلك ومطالبته بها في أكثر من لقاء إعلامي أمام الملأ.
وكما أشرنا سابقا أن كلمة عزل كما هي واردة في تقرير موقع Al-Monitor تحمل في طياتها أبعادا غير مقبولة لا من الناحية السياسية ولا السيادية لأي دولة, فكيف بذلك عند الحديث عن دولة ذات مكانة جيوسياسية ودبلوماسية دولية وإقليمية كسلطنة عمان وقد سبق الإشارة إلى هذا الجانب. أما الأمر الخطير الآخر في هذا السياق فهو ربط هذا العزل والحماية بجريمة تهريب الأسلحة عبر الأراضي العمانية. وكان التقرير يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تعرف مصلحة سلطنة عمان أكثر من نفسها وأنها ستكون القيم عليها والمحافظ على أمنها, ولذلك لابد أن تعزلها عن الصراع وعدم الاستقرار في اليمن حتى يتم وضع حد للتهريب عبر الطرقات العمانية التي يزعم بأن إيران تستخدمها.
والغريب في الأمر أن التقرير نفسه فضل اختيار كلمة “يُزعَم” على كلمات ومصطلحات أخرى تؤكد ذلك, كون كاتب التقرير والصحيفة لا تملك أي أدلة على تلك التهمة الباطلة. وبالتالي ما الداعي أصلا إلى كتابة تقرير بهذا التوجه وبهذا الشكل الإعلامي التحريضي والدعائي لا أكثر؟ وهل فعلا أن مؤسسة بحجم الكونجرس الأميركي يمكن أن يتعامل مع دولة صديقة ولها من التاريخ القديم والحديث وحتى الأفضال على الحكومة والشعب الأميركي من ناحية، وقوة إقليمه لها وزنها في المنطقة بهذا الأسلوب السياسي والأمني غير المحترف وغير العقلاني في التعامل مع قضايا ودول المنطقة.
النقطة الثانية : جاء في التقرير أنه ( ورد في تقرير صادر عن “دائرة الأبحاث في الكونجرس” في وقت سابق هذا العام: أن “إيران استغلّت، علاقاتها مع عُمان لشحن أسلحة عبر الحدود العمانية”، في حين أن مسقط تنفي المزاعم بأن إيران استخدمتها كطريق لتهريب الأسلحة إلى الحوثيين.) ويعود التقرير الإعلامي الصادر عن موقع (Al-Monitor) من جديد إلى تأكيد التدخل الأميركي في السياسة الداخلية لسلطنة عمان عبر الإشارة إلى وجود تقرير صادر عن دائرة الأبحاث في الكونجرس الأميركي يشير إلى الاستغلال الإيراني لسلطنة عمان, ويعيد إلى الواجهة قضية العلاقة العمانية الإيرانية وكأنها علاقة غير مقبولة دوليا وإقليميا, رغم أن تلك العلاقة هي علاقة ذات روابط جغرافية جوارية من جهة, وتاريخية وعلاقات دبلوماسية وسياسية ضاربة في القدم من جهة أخرى, والأسوأ من ذلك اعادة توجيه الاتهام إلى السلطنة من جديد بالتهاون في حماية حدودها وامنها الداخلي. مع التأكيد على وجود علاقات اكبر واكثر اتساعا بين إيران وبعض دول المنطقة عما هو الحال مع سلطنة عمان، بل واعتبارها بحسب التقرير دولة لا تملك قرارها السيادي ما يجعل منها دولة يمكن استغلالها بسهولة, وهو ما لا يمكن أن يقبله أي عاقل يعرف من هي سلطنة عمان, ومن هو الشخص الذي يقود ويوجه سياسة هذا البلد العزيز. وكيف تمكنت هذه الدولة من فرض نفسها واحترامها ومكانتها الدولية عبر تقديم العديد من المبادرات السياسية الدولية الناجحة, بل وكان لها الفضل على العديد من الدول في المنطقة في إحلال الأمن والاستقرار والسلام. والأهم من ذلك أنها دولة ما زالت تؤكد استقلال قراراتها وتوجهاتها السياسية تجاه قضايا المنطقة.
وكلي غرابة من خبث بعض التقارير الإعلامية المسيسة والتي تمزج السم بالعسل بين الحين والآخر عبر أسلوب خلط عباراتها وجملها وأسئلتها الإعلامية. فبينما يتحدث التقرير الصادر عن موقع (Al-Monitor) عن ” حماية عمان التي وصفها بـ”الدولة الخليجية المحايدة” فهو يربطها في ذات الوقت بقضية تهريب الأسلحة إلى اليمن واستغلال إيران لعلاقاته الجوارية بها. ثم يشير مؤكدا إلى أن مسقط تنفي المزاعم. فهل ذلك النفي للتأكيد أم للتشكيك؟ وكان لسان حال كاتب التقرير يقول إن : الكونجرس الأميركي حريص على أمن وسلامة سلطنة عمان هذه الدولة المحايدة, لذا سيقوم بالتدخل في سياساتها وتوجهاتها السيادية عبر عزلها بطريقة ما عن الصراع في اليمن. حتى لا تتمكن إيران من استخدامها كطريق لتهريب الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن عبر حدودها !؟
وهو نفس أسلوب التقرير المطروح في موقع تقرير Wall Street Journal . اقصد من خلال خلط السم بالعسل, حيث أشار في تقرير إلى نفس الاتهامات السابقة, ثم يرجع في نفس التقرير ليؤكد بأنه ( لا يوجد دليل على أن السلطات العمانية تشارك بشكل مباشر في أنشطة غير مشروعة نيابة عن إيران. لكن المسئولين الأميركيين عبروا عن قلقهم للسلطات العمانية عدة مرات منذ عام 2016) فماذا يقصد بدس عبارة ” بشكل غير مباشر ” ؟ في سياق نفي تلك الفرية. أيعني ذلك أنها تقوم بتلك الأعمال غير القانونية بطريقة غير مباشرة !؟
وهو حال التقرير الأكثر غرابة وإفلاسا والصادر عن Wall Street Journal والذي يثير تساؤلات حول الدور الذي لعبته عمان خلال الفترة التي سبقت الصفقة – يقصد الملف النووي الإيراني – ، ولماذا عمان بين عامي 2012 و 2015 ، كانت موقعًا لإجراء محادثات بين إيران والأطراف الأخرى في الاتفاقية النووية ؟
وهو سؤال غريب في سياق التقرير. ولا تكمن الغرابة في السؤال في حد ذاته كسؤال إعلامي علمي من المفيد الإجابة عليه من الناحيتين السياسية والجيوسياسية , بقدر ما تكمن في أن يطرح كسؤال فيه استغراب من قبل كاتبه ومن قبل موقع إعلامي بحجم موقع Wall Street Journal وهي صحيفة دولية يومية متخصصة بالشؤون الاقتصادية ومن ثم توضع للإجابة عليه كالتالي( أشادت إدارة أوباما بمساهمات عُمان في الصفقة، لكن بعض جيران السلطنة ينظرون إلى سياسته تجاه إيران باعتبارها غير ملائمة للغاية). فهل الكاتب والموقع جهلة بالدور التاريخي الذي لعبته سلطنة عمان في هذا الملف ؟ وهل هم جهلة بالموقع الجيوسياسي المحوري للسلطنة في منطقة الشرق الأوسط ؟ وهل هم جهلة بأسباب اختيار حكومتهم الأميركية السابقة لسلطنة عمان لتكون موقعا لإجراء تلك المحادثات ؟
وبمعنى آخر. إن كاتب التقرير يجيب على السؤال الذي طرحه بأجوبة تؤكد إشادة الحكومة الأميركية السابقة ” حكومة الرئيس اوباما ” بالدور العماني ولكنه وفي نفس الوقت يدحض تلك الاشادة الرسمية والنظرة الحكومية بسبب وجهة نظر بعض الوحدات السياسية في المنطقة ذات العلاقة مع الملف النووي الإيراني الذين يرون ” من وجهة نظر كاتب التقرير طبعا ” أنهم ينظرون إلى سياسة السلطنة تجاه إيران بانها سياسة غير ملائمة .
وهنا نطرح الأسئلة التالية: هل انعدام الملائمة وتناسق سياسات السلطنة عائد لأوضاع المنطقة الفعلية واستقرارها وامنها أم أن تلك الرؤية تسير وفق اعتبارات وأهداف سياسية معينة ووجهات نظر “معلبة” وتسير وفق خط سياسي معين في المنطقة ؟ أي من خلال وجهات نظر بعض الدول والسياسات؟ أم هو من فعل ( الإعلام الاستلابي الفاقد لمصداقيته بسبب ابتعاده عن السوية الإعلامية , والذي أضحى ظلا ملازما لألاعيب أغلب السياسات المعاصرة وبكل ما تحمله من غش واكاذيب ومغايرات ومشاكسات , لدرجة بات فيها الفصل بين اطروحات السياسة واطروحات الاعلام ليس بالأمر الهين ).
مع التأكيد في ختام هذا الطرح على ان في الولايات المتحدة الأميركية الكثير جدا من الأصوات الرافضة لتبني وجهة نظر كتاب تلك المواقع, بل وتنظر الى السلطنة كشريك استراتيجي في اي عملية سياسية في الشرق الأوسط نظرا لنزاهتها وحيادها وقدرتها على صناعة التوازنات والاستقرار في المنطقة. بل ومن المؤكد وبناء على الكثير من المعطيات أنها قادرة على ان تكون كحليف محايد ومستقل لإدارة الرئيس ترامب وغيره من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية. وهو ما جاء في تقرير الباحث الأميركي جورجيو كارفييو في موقع “لوب لوغ” (Lobe Log) الذي يحمل عنوان : عمان يمكن أن تكون بمثابة حليف رئيسي لإدارة ترامب والذي يعنى بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

إلى الأعلى