الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : بكل أسف !

باختصار : بكل أسف !

زهير ماجد

تحضرني دائما وصايا كبار في التجربة الإنسانية، فأجدها إيقاع حياة ثابتة كانت هكذا في الماضي وتستمر اليوم وإلى الأبد على مايبدو .. الدكتور فريحة يوصي في كتابه ” اسمع يارضا”، والكاتب الفرنسي اندريه جيد له وصاياه، وفي احدى روايات الكاتب الاميركي فوكنر وصايا اب لابنه نموذج لفهم خبير في الحياة … وغيره.
لو قدر لعرب كبار في خبرة الحياة العربية ان يوصوا في هذه الايام فماذا يقولون امام المشاهدات العربية التي تؤلم اعمق اعماق المرء، تأخذه لو انه حجر كما يقال كي لايشعر بوجوده. ثمة ضحك من شدة البكاء كما يقول الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين” انا اضحك الآن لكنني مرهف كالبكاء” ..
الواقع العربي يؤشر الى تحولات خطيرة، مظهرها الاكبر مايجري في بعض اقطارنا، لكن خفاياه لم تعد اسرارا، صارت من صلب المعرفة الضرورية، وليست اكتشافا مفاجئا. اسرائيل ليست الابرز في هذا الطوفان اللئيم من المجتمعات التي بنت قواعدها على مفاهيم ذات طابع سياسي له رموزه الواضحة في مسيرة الوطن العربي.
بماذا اذن ستكون وصايا الخبير العربي للجيل القادم الذي صار مشروع ترحال وهجرة ونزوج وشطب الأمل من مستقبله. مستقبل الاجيال العربية القادمة انها ستكون صماء، ستغلق اذنيها كي لاتسمع كلاما لاتفهمه او لاتريد ان تفهمه .. التفاهم في هذه الايام يتم بالحبل والساطور كما ردد دائما الكاتب الفرنسي ألبير كامي، فكيف سيتسنى لها ان تسمع، وقانون اعدامها صدر قبل التحقيق معها.
أجيالنا المسكينة اخذت على حين غرة، كانت تعرف من خلال اذاعاتها المحلية ان ثمة فروقا في الواقع العربي بل اختلافات عميقة سوف تؤدي ذات يوم الى نذير شؤم .. لكنهم لم يعرفوا ان هذا اليوم قد جاء، وان العرب الذين تقاتلوا دائما، قرروا هذه المرة حسم القتال من اجل ان لايتقرر .. الفكرة الاساسية ان ثمة من يظن ان اللعبة قد تنتهي، وهي في الحقيقة لانهاية لها، الصراع من صلب الإنسان، من حتميته، من حتمية وجوده، هو لايملك قدرة على إيقافه او التنصل منه الا اذا نزعنا الدم من جسده كما يقول تولستوي ووصعنا مكانه ماء، وهي فكرة خرافية لايمكن تحقيقها وان تحققت فلا عيش للانسان.
أكاد أعرف إذن بما يوصي الخبير العربي لكني لن اقوله كي لا اثير زوبعة من الردود، فلطالما عرفنا كيف هي الساحة العربية ومامعنى ان تكون مضطربة نتيجة انقسامها، وهي بالاحرى وتكرارا ليست جديدة ولن تكون،كأنما ولد العرب من أجل ان لايتفقوا، بل من الصعب توافق عربيين على طريق واحدة.
هكذا تنمو المجتمعات العربية وفيها روح ان ثمة عربيا آخر لايشبهنا، وكل العرب في النهاية أبناء ظروف طارئة، جاؤوا بمحض الصدفة، مع بعض الاستثناءات التي لها اسس تاريخية عميقة .. التاريخ العميق لهؤلاء معروف، ومن يقرأ تاريخ الاسلام جيدا يعرف تفاصيله.
تقول احدى الاغنيات ” اكتر ناس عرفوا الصح / هني اللي عملوا غلط ” .. وانا اكاد لااعتقد ان هذا ينطبق على بعض العرب الذين فعلوا الخطأ واكثره بدراية منهم ومعرفة بما يريدون الوصول اليه من نتائج. كلام الاغنية ينطبق على امم عديدة وليس على العرب بكل اسف.

إلى الأعلى