الأحد 15 ديسمبر 2019 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : قراءة في قرار فتح حدود السودان ودولة الجنوب

في الحدث : قراءة في قرار فتح حدود السودان ودولة الجنوب

طارق أشقر

بإعلان السودان فتح حدوده مع دولة جنوب السودان أمس الأول الثلاثاء بقرار أعلنه الرئيس السوداني عمر البشير عند بدء جولة المحادثات التي استضافتها العاصمة السودانية الخرطوم بين رئيس دولة جنوب السودان وخصمه المعارض رياك مشار للوصول إلى سلام بدولة الجنوب الوليدة، يكون السودان قد خطا خطوة جديدة ربما تكون لها إنعكاساتها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن أن يؤدي فتح الحدود البرية بين السودان ودولة جنوب السودان إلى إحداث إنفراجة اقتصادية بالدولة الوليدة التي عاصمتها جوبا، فضلا عن انه سيكون اضافة تجارية لها مردوداتها الايجابية على القطاع التجاري والزراعي وقطاع الانشاءات بجمهورية السودان التي عاصمتها الخرطوم.
إن الانفراجة الاقتصادية بدولة جنوب السودان المتوقع أن يقود اليها قرار فتح الحدود البرية لو تم تنفيذه كما ينبغي، فانه يتوقع تلمسها في تنشيط عجلة الاقتصاد في جوبا وما حولها وذلك بعد أن تجمدت بل توقفت تلك العجلة بسبب الحرب الدائرة منذ السنة الثانية من عمر دولة الجنوب التي انفصلت عن السودان بعد استفتاء جرى عام 2011 .
وبما أن الدولة الوليدة غير مطلة على أي منفذ بحري وتنقصها الطرق المعبدة ووسائل النقل النهري والبري “السالكة ” بين دول جوارها الأخرى عدا دولة السودان، ورغم تأثر تلك الطرق النهرية والبرية التي بينها السكك الحديدية بين الخرطوم وجوبا بسبب عدم استقرار الأوضاع السياسية والامنية بدولة الجنوب، وبسبب حالة التذبذب في ” الثقة ” بين الدولتين ، وكنتيجة للمشكلات التي يعانيها قطاع النقل بالسكك الحديد في السودان عامة في العشرين سنة الأخيرة لأسباب متنوعة ومعقدة الا انها قابلة للحل والتدارك، فان السودان وبحسابات الجدوى الاقتصادية مازال يمثل الخيار الأمثل والأكثر جدوى اقتصادية لتستفيد منه دولة جنوب السودان على المستوى الاقتصادي ليكون مورداً للكثير من متطلباتها، وسوقا لمنتجاتها، ومعبراً بريا وبحريا لصادراتها التي بينها النفط، وذلك في حال يتحقق الاستقرار في جوبا وتخرج الخرطوم من بوتقة ازماتها الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالاضافة التجارية للخرطوم اي للسودان، فان قرار فتح الحدود البرية مع جوبا اي دولة الجنوب، بالضرورة سيسهم في تحريك الصادر من المحاصيل الزراعية خصوصا محصول الذرة المعروف محليا باسم ” العيش”، فهو من المنتجات الزراعية الوفيرة الانتاج بالسودان ، فضلا عن ان دولة الجنوب تعتبر سوقا ذات طلب واسع لهذا المنتج كغذاء الشعبي هناك ، في حين تحتاج المشروعات الزراعية بدولة الجنوب لسنوات لإعادة التأهيل بسبب انتشار ألغام خلفتها سنوات طويلة من الحروب، علاوة على ان استمرار الأمطار بالجنوب لفترات فوق الستة شهور في العام له تأثيره السلبي على زراعة محاصيل زراعية نقدية متنوعة وموسمية كالذرة والسمسم على سبيل المثال.
وفي نفس السياق نفسه والمتعلق بمحصول الذرة اي ” العيش ” الذي يزرع بالسودان بمساحات تصل الملكيات الفردية منها الى الف فدان للمزارع الواحد، فان فتح الحدود البرية سيسهم في تسهيل حركة الايدي العاملة من الجنوب الى السودان، حيث ان مواطني دولة الجنوب يتميزون بالمهارة في عمليات حصاد الذرة لطول قاماتهم، حيث تحتاج بعض انواع ” الذرة ” الى عمال طوال القامة لجنيها اي قطع ” قناديلها ” مثل نوع يعرف ” بالصفيرة ” وغيرها من انواع الذرة.
كما يعتبر القرار إضافة نوعية لقطاع الانشاءات في الخرطوم وجوبا لما يعرف فيه عن القوى العاملة من دولة الجنوب بالحرفية وقوة التحمل والصبر والعمل بمختلف الاوقات والمناخات بقطاع الانشاءات، اما بالنسبة لدولة الجنوب فانه سيسهم في تدفق سلع مواد البناء التي ينتجها السودان لتدخل دولة الجنوب كسعلتي الأسمنت السوداني والحديد وغيرها.
اما اجتماعيا، فان فتح الحدود البرية سيسهم في جمع الشمل بين النازحين من مواطني دولة الجنوب الذين فرقت بينهم الحروب الأهلية حيث سيساعدهم تسهيل التنقل على العودة الى قراهم على أمل الاستقرار.
أما سياسيا، فان مبادرة فتح الحدود ستعزز من دور السودان في دعم السلام والاستقرار بدولة جنوب السودان، حيث سينعكس ذلك الأمر ايجابا على الأوضاع بالسودان نفسه،خصوصا وان بعض ملفات علاقات السودان الخارجية مازالت مرتبطة ارتباطا قويا بتحقيق السلام بدولة جنوب السودان .
وفي كل الأحوال ومهما كبرت حزم المردودات الايجابية لقرار السودان بفتح حدوده البرية مع جارته دولة الجنوب السودان، فان اي شكل من اشكال انسيابية حركة البشر والمنتجات والبضائع في ظل توفر مناخات آمنة وسلمية، ستكون له بالضرورة انعكاساته الايجابية على حياة الناس في جغرافية المكان الذي يعنيه الأمر.

إلى الأعلى