الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / هل انتهت الأطماع في الوطن العربي ؟

هل انتهت الأطماع في الوطن العربي ؟

د. فايز رشيد

” رغم وجود كل عوامل اللقاء العربي المشترك, من تاريخ , لغة, عادات, دين, مفاهيم, ظروف اقتصادية مشتركة, أسس اجتماعية موحدّة (لا مفرّقة), وهي الكفيلة بتحقيق مفهوم “الأمة” أو حتى “الهوية المشتركة”, فإننا بدلا من ذلك نسير, بل نغوص في “القطرية” المدمّرة للذات أولا, وللآخر ثانياً, وما تلقيه من تبعات عنوانها: افتقاد أدنى أشكال التنسيق العربي, وكنتيجة لفقدان هذا التنسيق, يجري امتصاص الثروات العربية كثمن لحماية الذات, ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لماذا لم ترّسم إسرائيل حدود دولتها حتى اللحظة؟ وهل أريد لإسرائيل أن تكون محطة أخيرة في المطامع الأجنبية في الوطن العربي؟ أم أنها ستكون رأس الجسر لتحقيق مطامع استعمارية قديمة أخرى؟ .ثم, لماذا ولد فجأة في عام 1974 مخطط برنارد لويس إلى تقسيم الوطن العربي إلى (42) دويلة أو (52) دويلة في مصادر أخرى؟ هل هو تقسيم لمجرّد الإضعاف؟, أم هل هو من أجل تهيئة الأجواء لسيطرة استعمارية جديدة؟, ليس بالضرورة على الشكل الاستعماري القديم, من خلال السيطرة على الأرض, بل من خلال أشكال استعمارية جديدة: هيمنة سياسية , التحكم في الثروات, والموقع الاستراتيجي , ضمان وجود إسرائيل كعامل رئيسي في رسم أجندات المنطقة! لماذا إذن أوجدوا هذه الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية ؟ وهي الغريبة عن مكونات النسيج الاجتماعي العربي على مدى التاريخ. ولماذا انتشرت هذه الصراعات في البلدان العربية كانتشار النار في الهشيم لتحرق الأخضر واليابس في المنطقة العربية!؟ بالتالي هل نحن أمام أطماع استعمارية غربية جديدة في منطقتنا في القرن الواحد والعشرين؟ بجب أن نتوقف عند مجموعة الأسئلة هذه.
بالمقابل, نحن في العالم العربي نعاني من حالة هي أشبه بالضياع, يعيشها الإنسان عندما يتلقى ضربة شديدة على الرأس, فيفقد التوازن الطبيعي المطلوب, ومن ثم يفقد القدرة إلى اتخاذ القرارات الصحيحة! نحن كأمة عربية نفتقد إلى أدنى درجات التنسيق السياسي والاقتصادي والاجتماعي, كما نفتقد إلى أي شكل من أشكال التضامن! وبدلا منه, تسود تدريجيا علاقات تنافسية قائمة على كره الآخر ومحاولة تحطيمه, حيث جرى لدينا اختلاط أعمى في فهم مع من يكون التناقض التناحري في المنطقة, هل هو مع العدو الصهيوني؟ أم مع أعداء اخترعهم خيالنا, الذي ما زال يعاني من تبعات ضربة الرأس الموجعة. بالفعل, بدلا من وضع اليد على الجرح, نوغل في طريق الأزمة والسير في المجهول في ظل تآكل داخلي بنيوي يطوال كافة المؤسسات, الأمر الذي يتمظهر في انتهاج سياسات ليست خاطئة فحسب, بل إن استمرّ نهجها سيفاقم الخلل الداخلي, وصولا إلى التلاشي المتدرج لبنية الدولة. من الخطأ إحالة ما يحصل في العالم العربي إلى “نظرية المؤامرة” فقط (والوطن العربي دوما منذ وجوده عرضة للمؤامرات الخارجية) ولكن في عصرنا الحالي (عصر القرية الإلكترونية الصغيرة) فإن إلقاء اللوم على الحالة التي وصلنا إليها على المؤامرة وحدها , ليس أكثر من محاولة إسقاط تقصيراتنا وتعليقها على مشجبها! .
نعم, رغم وجود كل عوامل اللقاء العربي المشترك, من تاريخ , لغة, عادات, دين, مفاهيم, ظروف اقتصادية مشتركة, أسس اجتماعية موحدّة (لا مفرّقة), وهي الكفيلة بتحقيق مفهوم “الأمة” أو حتى “الهوية المشتركة”, فإننا بدلا من ذلك نسير, بل نغوص في “القطرية” المدمّرة للذات أولا, وللآخر ثانياً, وما تلقيه من تبعات عنوانها: افتقاد أدنى أشكال التنسيق العربي, وكنتيجة لفقدان هذا التنسيق, يجري امتصاص الثروات العربية كثمن لحماية الذات, بالتالي هناك فقدان لفرص العمل أمام الشباب العربي, وفقدان خطط للتنمية على الصعيدين القطري والقومي, لذلك نرى الشباب العربي ينزح إلى الهجرة, وتقوم كافة الدول العربية باستيراد كلّ احتياجاتها حتى الغذائية والحياتية منها, في الوقت الذي لو جرى فيه تنسيق اقتصادي زراعي تنموي على المستوى العربي العام, لما احتاج بلد عربي لاستيراد حبّة قمح واحدة, ولخلقت مئات الآلاف من فرص العمل للشباب العربي. فما بالك بقضايا أخرى, كالأمية, وازدياد معدلات الفقر, وانحدار العديد من شرائح الطبقة الوسطى نحو الفقر, وانعدام التأمين الصحي, ومجانية التعليم والتأمين على الشيخوخة, والكثير من القضايا الحياتية المهمة الأخرى.
نعم, يراد للدولة العربية تفكيك وحدتها الوطنية, بكل مكوناتها, وأن يكون العنف هو اللغة السائدة بينها من جهة, وبين مكونات المجتمعات العربية الأخرى, بعيدا عن لغة الحوار ومشاركة الجميع في بناء المجتمع, خاصة وأننا نعيش في منطقة مليئة بالصراعات العربية – العربية, الإقليمية والعالمية, وغالبية الأنظار متجهة إلى المنطقة العربية, للسيطرة على ثرواتها, وإضعافها, وتغذية الاحترابات الداخلية فيها, والقيام بتحالفات فردية مع دولها, خدمة للوجود الإسرائيلي أولا, ولضمان سيطرة الدولة الصهيونية على المنطقة ثانيا, وتحقيق الأجندة الاستعمارية الغربية ( وبخاصة الأميركية) فيها ثالثاً, وإلغاء المفاهيم العربية المشتركة رابعا وعلى رأسها بالطبع مفهوم “الأمن القومي العربي المشترك” خامساً. نعم, لا يمكن لأقطار وطننا العربي, أن تنجو بنفسها من خلال “العزلة القطرية”, ومقاطعة الدولة العربية الأخرى, فمعادلة “العروبة” فيما لو جرى التمسك بها, واعتمادها أساسا للوطنية العربية ومجابهة الأخطار المحدقة بالوطن العربي, وفك التبعية مع الأجنبي, والاعتماد على البعد القومي الوطني العربي, فإن ذلك سيكون بداية الطريق إلى الخلاص من تهلكة قادمة لا محالة, ستأكل الأخضر واليابس.

إلى الأعلى