الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / العرب وكأس العالم

العرب وكأس العالم

أحمد مصطفى

” أهمية هذا الشعور العربي العام تتجاوز الكثير من المناسبات والأحداث الأخرى، لأن مسألة العروبة عانت من الضعف والتخفيف مثلها مثل كثير من المبادئ والقناعات في العقود الأخيرة. ولربما يكون الأمر كما يحاجج البعض مجرد “حلاوة روح” قبل أن تتلاشى تماما من حياة الأجيال الجديدة مسألة العروبة وتشارك اللغة والدين والثقافة التي ميزت عهد ما بعد الاستقلال في منتصف القرن الماضي في المنطقة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم خروج المنتخبات العربية الأربعة من مسابقة كأس العالم 2018 في روسيا من دور التصفيات الأول (دور 32) إلا أن مشاركة هذا العدد في أكبر وأهم مسابقة عالمية لكرة القدم تجرى كل أربع سنوات كان له أهمية كبرى. لست خبيرا بكرة القدم ولا شك أن الخبراء، وغيرهم، اشبعوا الموضوع بحثا وتحليلا وتخريجا وتعليقا بما لا يترك مساحة لأي رأي لم يقل أو أي ملاحظة لم تبد. وبما أن المرء شاهد وسمع وقرأ فتاوى الجميع، من له علاقة بلعبة كرة القدم ومن يرتكب التحليل والتقييم مجاراة للسائد، فلا غرو أن يدلي بدلوه في الأمر. وليس هناك بيان أبسط ولا أسهل ـ وفي الوقت نفسه غير مهني تماما ـ من ذلك الذي يقول أن “العرب ليس لهم اللعب في المعترك الدولي، وكفاهم منافسات محلية واقليمية”. والرد على تلك الحجة واضح تماما، فالرياضيون العرب في ألعاب أخرى غير كرة القدم يحرزون المراكز الأولى في منافسات دولية ويفوزون بميداليات ذهبية وفضية كثيرة.
ما يهمني هنا ليس حديث الرياضة في حد ذاته، على أهميته وطغيانه على احاديث الناس، لكن مسألة مشاركة هذا العدد في مسابقة دولية بذلك الحجم من ناحية المتابعة والتغطية. أربعة منتخبات كرة قدم عربية، ثلاثة منها من افريقيا وواحد من آسيا جعلت التغطية العربية لمونديال روسيا غير مسبوقة تقريبا. والملاحظة الأولية السريعة أنه كلما لعب فريق عربي تجد الأغلبية من الشعوب العربية تشجعه ولم تظهر بوضوح تلك الحساسيات التي تميز لعب تلك المنتخبات مع بعضها ضمن منافسات اقليمية (افريقية أو آسيوية) أو ضمن الاقليم ذاته (عربية مشتركة). بالطبع لا يعني ذلك أن ذلك التعصب الكروي القطري اختفى، أو حتى أن مشاركة تلك المنتخبات قد أزالت تلك الحساسيات تماما، لكن المؤكد أن الشعور العام تجاه “منتخب عربي” طغى على الشعور القطري. مع ذلك، لاحظت أيضا أن الأصل القاري يلعب دورا ربما أكبر من القطري في حال التنافس دوليا ـ بمعنى أن المنتخبات الافريقية تحظى بتأييد الشعوب الافريقية والآسيوية كذلك تحظى بتأييد شعوب آسيا ربما أكثر من التأييد “العربي” العام. وربما يبدو ذلك طبيعيا ومنطقيا، في المقابل مثلا ومع لعب فريق آسيوي قريب من المنطقة كمنتخب إيران، كان العرب عموما يشجعون المنتخب العربي المقابل (منتخب المغرب)، وهكذا كان سيكون الحال لو أن تركيا مشاركة في مونديال روسيا.
أهمية هذا الشعور العربي العام تتجاوز الكثير من المناسبات والأحداث الأخرى، لأن مسألة العروبة عانت من الضعف والتخفيف مثلها مثل كثير من المبادئ والقناعات في العقود الأخيرة. ولربما يكون الأمر كما يحاجج البعض مجرد “حلاوة روح” قبل أن تتلاشى تماما من حياة الأجيال الجديدة مسألة العروبة وتشارك اللغة والدين والثقافة التي ميزت عهد ما بعد الاستقلال في منتصف القرن الماضي في المنطقة. وقبل أن يبادر أحد للقول بأن “هل هذا آخر ما وصلنا إليه، تلهينا كرة القدم عن ما هو أهم”، علينا أن نعترف أن القضية الرئيسية التي كانت توحد العرب، وهي احتلال فلسطين من قبل الصهاينة، لم تعد كذلك. وليس الأمر بسبب صفقة القرن، ولا حتى اتفاقات السلام بين تل أبيب وبعض عواصم العرب ولكن الأجيال الحالية والمقبلة تعيش عالما يختلف عن عالم الأجيال السابقة التي عاشت في فترات قريبة من الاستعمار والتحرر والمقاومة .. الخ. بالطبع لا شيء ينتهي تماما، ولكن من المغالطة عدم رؤية كيف أن الأجيال الجديدة تهتم بكرة القدم (وغيرها طبعا) أكثر من اهتمامها بأخبار فلسطين وهجمات اسرائيل على دول عربية مجاورة.
وعودة لهذا الشعور العربي الذي ميز متابعة مونديال روسيا نتيجة مشاركة أكثر من منتخب عربي فيه، وما يمكن استخلاصه منه ويعكس أن بعض القناعات لا تموت حتى وان خفتت وأن تواصل الأجيال مسألة مهمة خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأساسية. يرى البعض أن ذلك الشعور العام تجاه منتخبات العرب كان يمكن أن يتعزز أكثر في حال طالت فرصة تلك المنتخبات، أو بعضها، في منافسات المونديال. فالأرجح أن بعض المنتخبات كانت بالتأكيد ستخرج من الجولة الأولى (دور 32) وبالتالي كان العرب كلهم سيلتفون حول من تبقى سواء كان فريقا واحدا أو اثنين. ومع طول المدة (بضعة أسابيع أخرى) كان الشعور العروبي سيتعزز أكثر ويبقى أثره لفترة أطول. لكني للأسف لست مع هذا الرأي تماما، واعتقد أن طول المدة وخروج البعض وبقاء البعض كان سيفت كثيرا في زخم هذا الشعور العربي العام. فمن شأن بقاء منتخب أفريقي أن يحظى باهتمام من عرب القارة أكثر من عرب آسيا، والأمر ذاته في حال بقاء منتخب آسيوي. وربما كان منتخب مصر يمثل إلى حد ما بعض الاستثناء ـ ليس لكون مصر جغرافيا أغلبها في افريقيا وجزء صغير منها في آسيا ـ القاري ذاك. والأغلب الأعم أن استمرار منتخب واحد ربما أفاد أكثر من اثنين، لكن في كل الأحوال كانت نعرات القطرية والتعصب التشجيعي الطبيعي للمنتخبات الوطنية ستقلل من الشعور العربي العام. وفي الإجمال، كانت تجربة جيدة للجيل الجديد، ليس كرويا فحسب ولكن قوميا أيضا.
-

إلى الأعلى