الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم

من قصص القرآن الكريم

سورة الكهف (47)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة (الغاشية)، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح، وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ(الحمدلله) وهذه السور هي:(الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وكلها تبتدئ بتمجيد الله جل وعلا وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
(قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا، كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا).
قوله تعالى:(قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) أي: من أقام على الكفر منكم، (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أي: بالقتل، (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ) أي: يوم القيامة، (فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً) أي: شديداً في جهنم، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) أي: تاب من الكفر، (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً) قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار، و(الْحُسْنَى) موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة أي: له جزاء الحسنى عندالله تعالى في الآخرة وهي الجنة، فأضاف الجزاء إلى الجنة، كقوله:(حَقُّ الْيَقِينِ)، (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) قاله الفراء، ويحتمل أن يريد بـ (الْحُسْنَى) الأعمال الصالحة ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل عليه ويجوز أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويكون (الحسنى) في موضع رفع على البدل عند البصريين، وعلى الترجمة عند الكوفيين، وعلى هذا قراءة ابن أبي إسحاق (فله جزاء الحسنى) إلا أنك لم تحذف التنوين، وهو أجود، وقرأ سائر الكوفيين (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) منصوباً منوّناً أي: فله الحسنى جزاء قال الفراء:(جزاء) منصوب على التمييز وقيل: على المصد، وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أي: مجزياً بها جزاء وقرأ ابن عباس ومسروق (فله جزاء الحسنى) منصوباً غير منون وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين لالتقاء الساكنين مثل (فله جزاء الحسنى) في أحد الوجهين. النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين ويكون تقديره: فله الثواب جزاء الحسنى، وقوله تعالى:(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) تقدم معناه أن أتبع واتبع بمعنى أي سلك طريقا ومنازل، وقوله تعالى:(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) وقرأ مجاهد وابن محيصن بفتح الميم واللام، يقال: طلعت الشمس والكواكب طلوعاً ومطلعاً، والمطلَع والمطلِع أيضا موضع طلوعها قاله الجوهري، (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ) المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس، والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة وقد اختلف فيهم، فعن وهب بن منبه ما تقدم، وأنها أمة يقال لها منسك وهي مقابلة ناسك، وقال مقاتل وقال قتادة: يقال لهما الزنج وقال الكلبي: هم تارس وهاويل ومنسك حفاة عراة عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر، وقيل: هم أهل جابلق وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم بالسريانية مرقيسا والذين عند مغرب الشمس هم أهل جابرس ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب، وبين كل باب فرسخ ووراء جابلق أمم وهم تافيل وتارس وهم يجاورون يأجوج ومأجوج وأهل جابرس وجابلق آمنوا بالنبي (عليه الصلاة والسلام) مر بهم ليلة الإسراء فدعاهم فأجابوه، ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه، ذكره السهيلي وقال: اختصرت هذا كله من حديث طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ورواه الطبري مسنداً إلى مقاتل يرفعه .. والله أعلم، وقوله تعالى:(لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً) أي: حجاباً يستترون منها عند طلوعها، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وهم يكونون في أسراب لهم ، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها، وقال أمية: وجدت رجالاً بسمرقند يحدثون الناس، فقال بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً يرينيهم حتى صبحتهم، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، وكان صاحبي يحسن كلامهم، فبتنا بهم، فقالوا: فيم جئتم؟ قلنا: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي على ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذ هي على الماء كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سرباً لهم، فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك ، فيطرحونه في الشمس فينضج، وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلع الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح حتى تطلع الشمس. ثم قالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه والله عظام جيش طلعت عليهم الشمس ههنا فماتوا قال: فولوا هاربين في الأرض. وقال الحسن : كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم، قلت: وهذه الأقوال تدل على أن مدينة هناك .. والله أعلم، وربما يكون منهم من يدخل في النهر ومنهم من يدخل في السرب فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة.

اعداد ـ أم يوسف

إلى الأعلى