الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (7)
أخواني القراء .. نواصل معكم المشوار في هذه الموضوع وهو (الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس) .. بعد توقف خلال شهر رمضان الفضيل.
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: إن الـسـلـوك الإنـساني لـه دور كـبـير في تهـذيب الـنـفـس الـبشـرية، لأن الـنـفـس دائـما أن تـركـن إلى مـا مـنـعـت الـركـون إلـيه، ولـكـن تـلك طـبـيعـة الـنـفـس الـبشـرية، وذلك ما جـبـلـت عـلـيه لأنـها أمـارة بالـسـوء إلا مـن اسـتـطاع كـبـاح رغـبـاتـها، وامتـك قـيـادهـا وأرغـمـها عـلى مـا تـكـره، وهـو خـير للإنسـان في الـدنـيا والآخـرة.
والـنـاس في أغـلـب أحـوالـهـم وأعـمـالهـم، إنـمـا كانـوا يسـألـون الله جـنتـه ورضـوانه، عـلى وجـه الأمـل في الـصـفـح عـنهـم والـمـغـفـرة لـهـم عـلى سـبـيـل الـتـكـرم مـنه تعالى عـلـيـهم والـرحمة بـهـم، مـوقـنيـن ومـعـلـنين أنهـم لا يـسـتحـقـون شـيئاً مـن ذلك بجـهـودهـم وأعـمالـهـم، وقــد سـبـق أن ذكـرت لك في بـيـان هـذا الـمـقـام حـديـث رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) حـيث قـال:(لـن يـدخـل أحـداً عـملـه الـجـنـة، قـالـوا: ولا أنـت يا رسـول الله؟، قال: ولا أنـا، إلا أن يـتـغـمـدني الله بـفـضل ورحـمة) (مـتفـق عـليه مـن حـديث عـائـشة وأبي هـريـرة، شـرح الـحـكـم الـعـطائية الـجـزء الـثالـث، ص: 524 ـ بتصـرف)، وقال الأحـنـف بن قـيس:(إياكـم ورأي الأوغـاد، فـقـيـل له: وما رأي الأوغـاد؟، فـقال: الـذين يـرون الصـفح والعـفـو عـاراً وحـمـقـاً الأحـنف بن قـيس سـيـد تمـيـم يـضـرب به الـمـثـل في الحـلـم، ولـد في الـبصرة وأدرك الـنبي (صلى الله عـليه وسـلم) ولـكـنه لم يـره، وولي خـراسـان وتـوفي سـنة 72هـ، (سـير أعـلام النـبـلاء 4/ 92)، ولـكـن مـا الـذي يحـجـب الإنـسان عـن رؤيـة الــدلائـل والأحـداث الـمـوصـلة إلى مـعـرفة الـطـريـق الـمـوصـل إلى الآخـرة؟.
إن مـا يحـجـب الإنسان عـن رؤية أحـداث الآخـرة، التي يـصفها الله تعالى ويـؤكـد وقـوعـها بأسـالـيب مـتـنـوعـة، ويـبرزهـا أمام أبـصارنا، وكأنها مشـاهـد تجـري أمام أعـيـننا الـيـوم.
إن الـذي يحـجب تـلك الأحـداث عـن أبـصارنا حجـاب الـمشاهـد الـدنـيـوية الـقائمة أمامنا، والتي تسـتـهـوي الـنـفـس الأمـارة بالـسـوء، فـينـشغـل الـفـكـر بها إذ انـصـرفـت إلـيها الـرغـبة، وتهـتاج عـوامـل الخـوف مـن تعـثـر الـسـبـيـل إلـيها، وعـدم التمـتـع بها، وصـدق الله الـعـظـيم الـقـائـل:)إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا( (الكـهـف 7 ـ 8).
فـتـتكاثـف مـن ذلك الحـواجـز الـنـفـسية والـفـكـرية، التي مـن شـأنها أن تسـدل سـتارا يحجـب أحـداث الحـياة الآخـرة، عـن الـذهـن وعـن الـبصـيرة ، بـل كـثـيراً ما يـزج الإنـسان في يـم مـطـبـق مـن الـنـسـيان لها والـذهـول عـنها، وإنـما ينـصرف أحـدنا بـشـكل كلي إلى الاهـتـمام بـمـعـايشـه الـدنـيـوية، ناسـياً أو مــناسـياً ما هـو مـقـبـل إلـيه عـما قـريب مـن أحـداث مرحـلة الحـياة الـثانية، بسـبب هـذا الحـجـاب، بـل هـذا الـسـور الـمـضـروب بـيـننا وبـين ما نحـن مقـبـلـون إلـيه ،هـو سـور تجـمـعـت وتـكاثـفـت أجـزاؤه، بـعـوامـل نـفسية أولاً، ثـم بـشـواغـل فـكـرية ثـانيـاً.
فـما الـذي يحـطـم هـذا الـسـور، أو يـزيـح هــذا الحـجـاب الـقـائـم بـيـننا وبـين ما نحـن مـقـبـلـون عـلـيه مـن أحـداث الحـياة الآخـرة؟.
أما الأمل في أن ينـدك هـذا الـسـور الـدنيـوي، أو في أن تـرتـفـع عـن أبـصارنا زيـنة هــذا الحـجاب، حسـب التعـبـير الـثاني، فـهـو وهـم باطـل وأمـنية تسـتعـصي عـلى مـن أراد الـتـنـفـيـذ ، ذلك لأن سـنـة الله ماضـية في أن يـبتـلي عـبـاده بـزينة الحـياة الـدنيا، وفي أن يـضـعـها ويجـعـلها شـاغـلا لـهـم عـلة طـريـق رحـلـتـهـم في فـجـاج هــذه الحـياة الـدنيا.
ألـيـس هـو الـقـائـل:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عـمـران ـ 14).
ولـكـن ثـمة سـبـيـل آخـر هـو الـذي يـمـكـن أن يـقـضي عـلى كـثافـة هـذا الـسـور أو هــذا الحـجـاب الـدنـيـوي، إذا هـو كالـزجـاج الـصافي الـنـظـيف الـشـفاب يشـعـرك بـوجـوده، ولـكـنه لا يـبصـرك إلا بما وراءه.
إنـه الـسـبيـل الـذي ينـمي في قـلـبـك نـور الـيـقـين بما قـد أنبـأك الله به مـن الـدار الآخـرة وأحـداثـها، ولـعـلـك تـلاحـظ أنـني أحـدثـك عـن الـسـبـيـل الـذي ينـمي في قـلـبـك نـور الـيـقـين، لا الـسـبـيـل الــذي ينـمـي ذاته، وهـي مـلاحـظـة نبـهـنا إلـيها أحـد العـلـماء الـورعـين، إذ قال: لـو أشـرق لـك نـور الـيـقـين.
ذلك لأن إشـراق نـور الـيقـين بالـيـوم الآخـر وآحـداثه، هـو الجامع الـمشترك بين الـمسـلمين الـصادقـين في إسـلامهـم، عـلى تـفاوت درجـاتهـم، في تـداني عـنـده الـيـقـين بـه إلى وجـه الـظـن، ولـو كان قـوياً، فـقـد خــرج بـذلك عـن ربـقـة الإيـمان الـمـوصـل إلى ذلك.
ولـكـن الـمسـلـمين يتـفـاوتـون بـعـد ذلك في الـنـور الـذي يتـمتـع به يـقـيـنهـم هـذا، فـما هـو أثــر هــذا الـنـور في الـيـقـين الـذي يجـب أن يتمـتـع به كل مسـلـم؟ وما الـسـبيـل إلى الحـصول عـليه؟.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى