الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (31)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (31)

أحمد محمد خشبة
الشكر باللسان: لسان المرء يعرب عما في قلبه، فإذا امتلأ القلب بشكر الله لهج اللسان بحمده والثناء عليه، وتأمل ما في أذكار النبي (صلى الله عليه وسلم) من الحمد والشكر لرب العالمين، وكان لما يفيق من نومه يقول:(الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، (الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره)، وإذا أوى إلى فراشه لينام يقول:(الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا فكم ممن لا كافي له وملا مؤوي)، ومن أذكار الصباح والمساء (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر) من قالها حين يصبح فقد أدى شكر ليله، وسيد الاستغفار (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي) اعتراف بالنعمة واعتراف بالتقصير في شكرها لأنه يذنب، ويفتتح الأدعية بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله في كل خطبة أو نكاح أو أمر ذي بال يحمد الله، ودعاء الاستفتاح وسورة الفاتحة والرفع من الركوع وأذكار ما بعد السلام وربنا ولك الحمد وأدعية التهجد واللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن والله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وإذا أكل أو شرب أو سئل عن حال أو سافر أو عطس، في أي ساعة يحمد ربه من ليل ونهار، له في كل تحميدة صدقة، وقد وقعت يد عائشة على يد النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو ساجد في بطن الليل وقدماه منصوبتان يقول:(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(يا معاذ إني أحبك فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
الشكر بالجوارح وهي: ما سوى القلب واللسان من جوارح، فما من عمل يعمله ابن آدم من الطاعات والعبادات إلا وهو شاكر فيه لنعم ربه سبحانه وتعالى.
والخلاصة في الشكر بالجوارح العمل الصالح، فعند بلوغ الأربعين (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه)، فسأل الله العمل الصالح عقب سؤاله التوفيق على شكر نعمته يعني أن الشكر باللسان وحده لا يكفي.
ومن وسائل الشكر بالجوارح حديث:(كل ابن آدم يصبح وعلى كل سلام ومفصل صدقة) فكيف يؤدي شكر 360 مفصلاً؟، كل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وعدد المفاصل 360 إذا شكرها المرء (أمسى يومه وقد زحزح عن النار).
والصدقات كثيرة جمعها ابن رجب في شرحه الأربعين النووية (الصدقات البدنية ـ المالية ـ الخبرة من تعليم صنعة أو تصنع لأخرق ـ التفهيم ـ التعليم ـ الوقت ـ الجاه ..)، فذو القرنين مثلاً علم شعباً جاهلاً صناعة السدود حتى تقيهم شر أعدائهم.
والمقصود أن المسلم عليه أن يشكر ربه بجوارحه بسائر أنواع الصدقات وكل معروف صدقة ولا يغني شكر يوم عن يوم آخر.
وليس هناك تعارض بين شكر الله وشكر الناس، لأن الله أمر بشكر الناس، وهو سبحانه الذي أرشدنا إلى شكر الناس إذا صنعوا لنا معروفاً أن نكافئهم وأولهم الوالدين (اشكر لي ولوالديك)، (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، فليس شكر المخلوق قادحاً في شكر الخالق بل المشكلة فيمن يشكر المخلوق ولا يشكر الخالق وهذه هي المصيبة، وهناك فرق بين شكر العبد وشكر الرب، فشكر الرب فيه خضوع وذل وعبودية ولا يجوز لشكر العبد أن تعبده وإنما تعطيه شيء مقابل شيء، وتدعو له وتثني عليه، وشكر الله أيضاً يختلف عن شكر الناس من جهة العبودية والدرجة ومافيه من أنواع الطاعات له سبحانه وتعالى.
والإنسان الذي لا يشكر الناس إنسان لئيم وحريٌ به أن لا يشكر الله، والنعم تزيد بالشكر وتحفظ من الزوال بالشكر (لئن شكرتم لأزيدنكم)، (ولا تتمنوا مافضل الله بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله).

* إمام وخطيب جامع ذوالنورين ـ الغبرة الشمالية

إلى الأعلى