Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

وماذا بعد رمضان .. شهر الخيرات والبركات؟

هناك قومٌ يتألمون على فراق رمضان لأنهم ذاقوا حلاوة العافية فهانت عليهم مرارة الصبر
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
.. ونحن قد مرَّ بنا قريبًا موسمٌ من مواسم التجارةِ الآخروية تجارة الآخرة الباقية، تجارةٍ لن تبور، تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم، مرَّ بنا آنفًا شهر الخيرات والبركات، فهلاَّ حاسبنا أنفسنا، ووقفنا معها: ماذا ربحنا فيه؟ ماذا استفدنا منه؟ ما أثره على نفوسنا؟ ما تأثيره على سلوكياتنا؟ هل تُقبِّلَ منَّا؟ أم هل رُدَّ علينا؟ كانَ السَّلفُ الصالح ـ رحمهم الله ـ حينما ينتهي رمضان يُصيبهم الهمُّ، ولسانُ حالِهِم لسانُ الوَجِل الخائف أن يُرَدَّ: هلْ تُقبِّلَ منَّا؟ فهم كما وصفَهم الله بقوله:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون 60 ـ 61) يعملونَ الأعمالَ، ويخافونَ أنْ تردَّ عليهم،. لننظر في حالنا، ولنتأمل في واقع أنفسنا ومجتمعاتنا ولنقارن بين حالنا قبل حلول شهر رمضان وحالنا بعده: هل ملأت التقوى قلوبنا؟ هل صلحُت أعمالنا؟ هل تحسنت أخلاقنا؟ هل استقام سلوكنا؟، وزالت الضغائن والأحقاد من نفوسنا؟ هل تلاشت المنكرات والمحرمات؟ إنَّ لنا في انقضاءِ رمضانَ عبرةٌ وعظةٌ، فقدْ كُنا نعيشُ أيامَهُ فرحينَ متنعمينَ بها ثُمَّ انقضتْ تِلكُمُ الأيامُ وكأَنها طيفُ خيالٍ .. مضتْ تلكَ الأيامُ لِنقطَعَ بها مرحلةً مِنْ حياتِنَا لَنْ تعودَ إلينا أبداً وإنما يبقى لنا ما أودعنَاهُ فيها مِنْ خيرٍ أو شرٍ، وهكذا الأيامُ التي تمرُ علينا تُنقصُ منْ أعمارِنا، وتقربنا مِنْ آجالِنا قال الحسن البصريُ: ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهبَ يومكَ ذهبَ بعضكَ.
لقد كان الشهرُ الراحلُ ميداناً لتنافس الصالحين بأعمالهم، ومجالاً لتسابق المحسنين بإحسانهم، وعاملاً لتزكية النفوس وتهذيبها وتربيتها .. لكن بعض الناس ما إن خرجوا من رمضان إلى شوال حتى خرجوا من الواحة إلى الصحراء ومن الهداية إلى التيه ومن السعادة إلى الشقاوة لذا كان الناس بعد رمضان على أقسام أبرزها صنفان هما جدُ مختلفين: صنف تراه في رمضان مجتهداً في الطاعة فلا تقع عيناك عليه إلا ساجداً أو قائماً أو تالياً للقرآن أو باكياً حتى ليكادْ يذكرك ببعض عباد السلف وحتى إنك لتشفق عليه من شدة اجتهاده وعبادته ونشاطه، وما إن ينقضي الشهرُ حتى يعودَ إلى التفريط والمعاصي فبعد أن عاش شهراً كاملاً مع الإيمان والقرآن وسائر القربات يعود إلى الوراء منتكساً أو مرتداً والعياذ بالله وهؤلاء هم عباد المواسم لا يعرفون الله إلا عند المواسم أو عند نزول النقم بساحتهم فإذا ذهبت المواسم أو زالت النقم وحُلت الضوائق ذهبت الطاعة موليةً ألا فبئس قومٌ هذا ديدنهم.
صلى المصلي لأمرٍ كان يطلبه
لما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما
فيا ترى ما الفائدة إذن من عبادة شهر كامل إن اتبعتها بعودة إلى سلوك شائن!!
فإنهم ليسوا من رمضان ولا من أهله، من يعود إلى لهوه وضلاله ليس من رمضان ولا من أهله.
وهناك صنف نقيٌّ نقاءَ رمضان، صفيٌّ صفاءَ الصيام، زكيٌّ زكاة رمضان، قومٌ يتألمون على فراق رمضان، لأنهم ذاقوا حلاوة العافية فهانت عليهم مرارة الصبر، لأنهم عرفوا حقيقة ذواتِهم وضعفِها وفقرِها إلى مولاها وطاعته وعلموا أنهم محتاجون إلى ربهم لأنهم صاموا حقاُ، وقاموا شوقاً، فلوداع رمضان دموعهم تدفق، وقلوبهم تشقق، فأسير الأوزار منهم يرجو أن يطلق ومن النار يُعتق، وبركب المقبولين يلحق.
ونداءٌ مِلْؤه الحنان والإشفاق إلى الذي عزموا على العودة إلى المعاصي بعد رمضان: أن يتقوا الله سبحانه، فالعمر قصير، والآجال محدودة، والأنفاس معدودة، كفى مخادعة للرحمن، وانزلاقاً في طريق الشيطان، وعبثاً بشعائر الإسلام! إلى متى الاسترسال في الغفلة والإعراض؟! فلتعلنوها عباد الله توبة صادقة نصوحاً لا رجعة بعدها إلى الذنوب والمعاصي، فهذا والله هو الشكر الحقيقي لنعمة الصيام.
وهمسةُ في آذان شباب الإسلام أن يتقوا الله تبارك وتعالى ويُقبلوا عليه ويحفظوا أوقاتهم بعد رمضان، ويشغلوها بطاعة الله، فلا يغتروا بعمل المفتونين بمعصية الله، وليحذروا ما يُسِيء إلى دينهم وقيَمهم ويُضعِف الإيمان في نفوسهم، ويَئِد الأخلاق في قلوبهم وأعمالهم وواقعهم مما يثير الغرائز، ويهيج المشاعر، وعليهم الحذر من قرناء السوء.وعلى المرأة المسلمة أن تتقي الله عزَّ وجلَّ، وتستمر على طاعة ربها بعد رمضان حجاباً وعفافاً وحشمة، وأن تحذر كل الحذر من دعاة الضلال والفتنة.وعلى أرباب الأسر وأولياء الأمور أن يتقوا الله عزَّ وجلَّ في مسئولياتهم، ويحافظوا على أماناتهم بمتابعتهم وتربيتهم والعناية بهم تحقيقاً لقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيْكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم ـ 6).
اجعلوا أيامكم ولياليَكم كلَّها كأيام رمضان ولياليه، في تعلُّق القلوب بالله تعالى ودعائه وذِكره، والمحافظة على الفرائض وإتباعها بالنوافل، وملازمة القرآن تلاوةً وحفظًا، وتدبرًا وعملاً، ولا تنقضوا عهدَكم مع ربِّكم سبحانه فإنه تعالى ينهاكم عن ذلك (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل ـ 92)، قال مكحول: أربعٌ مَن كنَّ فيه كنَّ له، وثلاث من كن فيه كن عليه، فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى:(مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) (النساء ـ 147)، وقال تعالى:(وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال ـ 33)، وقال تعالى:(قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) (الفرقان ـ 77)، وأما الثلاث اللاتي عليه، فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى:(فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) (الفتح ـ 10)، وقال تعالى:(وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر ـ 43)، وقال تعالى:(إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (يونس ـ 23)، وكان الأحنف بن قيس كثيرَ الصيام حتى بعدما كبر سنُّه، وضعفتْ قوَّتُه، فقيل له: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك، فقال: إني أُعدُّه لسفرٍ طويل، والصبرُ على طاعة الله سبحانه أهونُ من الصبر على عذابه، فأكثروا أيها المسلمون من نوافل العبادات ما يكون زادًا لكم في معادكم، ولا تنقضوا عهدكم مع ربكم (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) (البقرة ـ 197).


تاريخ النشر: 29 يونيو,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/269379

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014