الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بروباجندا الصفقة وتضرُّعات جندلمان!

بروباجندا الصفقة وتضرُّعات جندلمان!

عبداللطيف مهنا

بالنسبة لقطاع غزة هناك تكثيف غير مسبوق لعملية إعادة إنتاج عدة مشاريع سابقة تعدد طارحوها وأصلها الاحتلالي واحد، تنطلق من فكرة تفادي انفجار الأوضاع الكارثية الناجمة عن الحصار المديد في غزة بتخفيفها لا رفعه، ذلك عبر ابتسار الصراع مع الاحتلال بالجانب المعيشي، والتلويح بمحفزات اقتصادية تربك المقاومة في ظل الظروف الحياتية الرهيبة التي تعاني منها جماهيرها والهدف تمرير الصفقة التصفوية…

في تغريدة تويترية له بالعربية تضرَّع عوفير جندلمان المتحدِّث باسم نتنياهو إلى الله كاتبا: “اللهم سدد ضرباتك إلى أوكار الإرهابيين في قطاع غزة، الذين اعتدوا على مواطنينا وأرضنا”، واختتمها بالآية الكريمة، “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”! جندلمان المتضرِّع لم يشرح الله صدره للإسلام، ولم يوجِّه دعاءه للخالق، ولكنه، إذ يتوجَّه بتغريداته للمتلقي العربي، يعبِّر عن تذاكٍ استعماري متمادٍ في سخافته ومغرق في استخفافه بعقلية ووعي هذا المتلقي. هو هنا يطلق سهام تضرُّعاته باتجاه مسيرات العودة بالذات، ومن موقعه كعدو غازٍ يقفز بالطبع على حق العودة، أو جوهر القضية الفلسطينية، وكذا معاناة الغزيين لويلات الحصار، وصولا للمجازر التي يرتكبها جيشه في مواجهة هذه المسيرات، والتي من شأنها أن أكرهت العالم على تذكُّر أبجديات الصراع، وكشفت بالصوت والصورة مدى وحشية المحتلين ودمويتهم ضد متظاهرين عزَّل.
ليست كل البروباجندا الصهيونية من نوع تضرُّعات جندلمان، إذ تتدرَّج منها إلى مستويات أخبث وأعقد وأشمل تزويرا وتزييفا وتدجيلا، لجهة سبل تسللها الملتوية لإيصال سمومها إلى وعي متلقيها، ولجهة مراعاتها بدهاء لاختلافهم بين عربي معادٍ أصلا وكما يفترض لغاصب معتدٍ، وبين أجنبي يتدرَّج موقعا من اللامبالي إلى المتواطئ ومن الحليف إلى المتصهين…ليس مجالنا هنا مناقشة هذه البروباجندا، ولكن ننطلق مما تقدَّم للإشارة إلى الحملة الإعلامية التي سبقت وودَّعت جولة كوشنر وجرينبلات الترويجية لـ”صفقة القرن”، والتي راعت في توجُّهاتها للمتلقي العربي أن لا تنفصم وشائجها، أو تبتعد في جوهرها، عن تضرُّعات جندلمان.
لم يجل كوشنر ورفيقه الصهيونيَّان حتى العظم في المنطقة اصطيافا، وإنما ليروجا لصفقة اختارا أن لا تعلن رسميا، وقد لا تعلن لأمد قادم. إلا أنهما طرحا عروضها وناقشا ما في جعبتهما مع مستقبليهم أينما حلا في محطاتها جولتهما المتكتمة، وتكفلت التسريبات المتقصِّدة بهتك مدروس للمستور منها، حيث أبلى الإعلام الاحتلالي في ذلك بلاءً ترويجيا وتمهيديا وتطبيعيا لا يستهان به.
تركَّز ذلك على الانطلاق من كارثية الواقع الإنساني في غزة التي يحاصرونها للعام الثاني عشر مدخلا لتصفية القضية وفق الرؤية النتنياهوية بثوبها الترامبويي وعبر البوابة العربية، وحيث يتم التجاوز كليا لجوهرها، الذي هو حق العودة، وكذا ترك مسألة القدس من خلفهم، باعتبارها بالنسبة لأصحاب الصفقة قد باتت عاصمةً أبدية لمحتليها، ولا بأس من أن نتحدث عن قدس بديلة للفلسطينيين يتحفظ عليها نتنياهو سلفا، وبالتالي، ما خلاصته تعني ضم 88% من مساحة الضفة للكيان الغاصب، هي القدس الكبرى والمستعمرات على اختلافها، كتلا كبرى وهامشيةً، والمنطقة المصنَّفة ج أوسلويا، ناهيك عن بقاء الأغوار تحت الاحتلال، وما تبقَّى، أي الـ12% من مساحتها، فلتكن وفق تصنيفهم “أقل من دولة”، بمعنى حكم إداري ذاتي لمقيمين لا مواطنين، أي برسم تليد فكرة الإلحاق بالأردن ليسهل من بعد استهدافهم بمخططات الترانسفير المتدرِّجة والمتعددة الأوجه.
…والأخطر هو تنقية أدبيات البازار التصفوي الأميركي الترامبوي من سالف صفات يتم الآن الإصرار على نزعها، نعني بها صفة الاحتلال للأرض المحتلة، وصفة المحتلين لمن هم يحتلونها…أو ما هو في الواقع محاولة الإفادة حتى التصفية من راهن الواقع العربي المزري، والمسفر عن انسحاب أغلب النظام العربي الرسمي من القضية المركزية للأمة بديلا عن وجوب انسحاب المحتلين الغزاة من أرض عربية احتلوها.
بالنسبة لقطاع غزة هناك تكثيف غير مسبوق لعملية إعادة إنتاج عدة مشاريع سابقة تعدد طارحوها وأصلها الاحتلالي واحد، تنطلق من فكرة تفادي انفجار الأوضاع الكارثية الناجمة عن الحصار المديد في غزة بتخفيفها لا رفعه، ذلك عبر ابتسار الصراع مع الاحتلال بالجانب المعيشي، والتلويح بمحفزات اقتصادية تربك المقاومة في ظل الظروف الحياتية الرهيبة التي تعاني منها جماهيرها والهدف تمرير الصفقة التصفوية…مشاريع كلها بلا استثناء لا تخرج عما كنا قد أشرنا إليه في مقالنا السابق، أي مشروع يوآف مردخاي منسق الشؤون الأمنية والإدارية في الضفة المحتلة السابق، الداعي لإقامة بنى تحتية اقتصادية شمال سيناء المصرية تسهم في تخفيف المعاناة الغزية، والذي كان قد طرحه قبل عام ورفضته السلطة ومصر في حينه.
الآن هناك نسخة منه لوزير الحرب ليبرمان، تتحدث عن رصيف بحري في قبرص تحت إشراف المحتلين بدءا منه وحتى غزة، وأخرى لوزير الاستخبارات كاتس، وتقترح ميناءً عائما خارج مياه القطاع مع لسان يربطه بغزة وأيضا بإشرف الاحتلال، وثالث يتحدث عن محطة للطاقة الشمسية لتزويد غزة بالكهرباء تقام في الجهة المحتلة العام 1948 خلف معبر بيت حانون شمال غزة، والمستجد الوحيد في هذه النسخ التخفيفية هو اشتراط إطلاق صراح الأسرى من جنود الاحتلال الذين هم في قبضة المقاومة إبان وبعد الحرب الأخيرة على القطاع، والهدف نسف فكرة تبادلهم مع أسرى المقاومة.
…كثرة المشاريع وصخب التسريبات المستفيدة من انحدار المواقف الرسمية العربية، إن هي دلت على شيء فالاستماتة لترويج صفقة محال تمريرها تحاول البروباجندا الاحتلالية تصويرها بأنها قد باتت قاب قوسين أو أدنى.

إلى الأعلى