الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / سوريو فلسطين

سوريو فلسطين

علي بدوان

” أكَّدَ الميثاق الوطني الفلسطيني عَقِبَ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 28 أيار/مايو 1964 على التالي : “إنَّ الشعب الفلسطيني هو جزء من الأمة العربية، والفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين الى حين النكبة، سواء من اُخرج منهم أو من بقي فيها، وكلُ من وِلَد لأبٍ عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو عربي فلسطيني.””
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخل الجنرال البريطاني (إدموند هنري اللنبي) مدينة القدس في 25/12/1916، متبختراً في شوارعها، فكان هذا الانتصار البريطاني على الدولة العثمانية ودخول فلسطين يُمثِّلُ الخطة الأساسية الأولى على الأرض التي مكَّنَت بريطانيا من تقديم فلسطين لقمة سائغة للحركة الصهيونية، وإطلاق ماعُرِفَ بــ “تصريح بلفور” عقب هزيمة العثمانيين بشهر واحدٍ وأيامٍ قلائل.
وبعد تفكك السلطنة العثمانية في المنطقة ومنها بلاد الشام، تابعت المؤسسات والهيئات الحكومية التي كانت تتبع للسلطنة العثمانية، مهمتها في إدارة البلاد والعبادة وشؤون الناس ومصالحها في إقليم فلسطين من بلاد الشام.
كانت فلسطين، وعبر التاريخ، إقليم جغرافي وبشري، في إطار الوحدة التامة لبلاد الشام، ولم يظهر مصطلح الشعب الفلسطيني في الإشارة لمواطني فلسطين إلاّ قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بقليل، وقد سبق وأن طالب المؤتمر السوري العام وبحضور مندوبي كافة مناطق بلاد الشام، والمُنعقد في 21 أيلول/سبتمبر 1921، في فندق الخيام بدمشق، طالب بالاستقلال التام لسوريا الطبيعية “استقلالاً تاماً لاشائبة فيه” في إطار الدولة الواحدة والكيان الواحد، باعتبارها كياناً واحداً لايتجزأ.
إنَّ وجود الاحتلالين البريطاني والفرنسي عَطَّلَ من إمكانية وحدة سوريا الطبيعية، بل عملا على تقسيمها وفق اتفاق (سايكس بيكو)، فيما اندفعت بريطانيا كسلطة احتلال على أرض الجنوب السوري في فلسطين، لتسمية المؤسسات الحكومية الموروثة من العهد العثماني وتوحيد إطار عملها باسم حكومة فلسطين، وتم وضعِ دستورٍ لها، أخذاً بعين الاعتبار الواقع الذي تشكّل مع وجود الاحتلالين الفرنسي والبريطاني في عموم بلاد الشام والعراق وتقاسم النفوذ والخرائط بينهما. وأثناء تلك الفترة كانت الوثائق الرسمية تعنون باسم دولة فلسطين، ومن هذه الوثائق جواز السفر الفلسطيني الصادر قبل العام 1948، فيما كانت باقي الوثائق المدنية ومنها معاملات العقارات وأوراق الأحوال المدنية تحمل ترويسة حكومة فلسطين.
فلسطين في تلك السنوات، لم تكن بحاجةٍ لوصايةٍ أو انتداب، فقد كانت قائمة فيها كل مقومات ومؤسسات الدولة التي استمرت وتطورت من إرث السلطنة العثمانية، بما في ذلك مؤسسات التربية والتعليم والجامعات، والصحة، والإدارات المُتعلقة بالشؤون المدنية والقضاء ….الخ.
لكن، ومنذ تموز/يوليو العام 1922، وعَقِبَ صدور صك الانتداب البريطاني على فلسطين من قبل عصبة الأمم المتحدة، وبمواده الثمانية والعشرين، وكتمهيدٍ مدروس ومحسوب، للسير بمشروع إقامة “كيان عبري صهيوني” على أرض فلسطين التاريخية، عَمِلت بريطانيا كسلطةِ أمرٍ واقع، على تكريس اللغة العبرية كلغةٍ ثانيةٍ في فلسطين مع أنَّ أعداد اليهود في تلك الفترة لم تكن لتتجاوز الخمسة وسبعين ألفاً على كامل أرض فلسطين التاريخية، لذلك عَمِلَت سلطات الانتداب على وضع ترويسة بثلاث لغات على كل الوثائق الرسمية الحكومية الصادرة عن حكومة فلسطين، وخاصة كواشين الأرض، والعملة الفلسطينية (الجنيه الفلسطيني)، حيث اللغة الإنجليزية بالسطر الأول، تليها اللغة العربية، ومن ثم العبرية.
بكل الحالات، فقد نص الدستور الفلسطيني لدولة فلسطين لعام 1920، وقبل صدور صك الانتداب البريطاني على فلسطين من عصبة الأمم المتحدة عام 1922 بموجب قرار عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو عام 1920: “أنَّ كل من يقيم على أرض اقليم فلسطين، من المواطنين العرب يُعتبر مواطناً فلسطينياً أصلاً واصولاً، له كامل الحقوق وعليه واجبات المواطنة التامة….”.
وعطفاً على ماورد أعلاه، أكَّدَ الميثاق الوطني الفلسطيني عَقِبَ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 28 أيار/مايو 1964 على التالي : “إنَّ الشعب الفلسطيني هو جزء من الأمة العربية، والفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين إلى حين النكبة، سواء من اُخرج منهم أو من بقي فيها، وكلُ من وِلَد لأبٍ عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو عربي فلسطيني”.
لقد كان ثلث سكان ومواطني فلسطين قبل النكبة من البلدان العربية المجاورة، وعلى الأخص من سوريا ولبنان. وفي الواقع الحي، والملموس، كان عدد سكان فلسطين قبيل وقوع نكبة العام 1948 نحو مليوني مواطن عربي، منهم نحو 300 ألف مواطن من سوريا الحالية، وفي ذلك الوقت لم يَكُن عدد سكان سوريا الحالية يزيد على ثلاثة ملايين ونصف المليون، وكانت غالبية المواطنين السوريين المقيمين في إقليم فلسطين من مناطق دمشق وحوران وجبل العرب وأريافها، كانوا يقيمون في فلسطين بحكم العمل والمواطنة في الوطن الواحد، وقد تركّزت أعمالهم وتنوّعت بين التجارة والعمل الحرفي، والعمل في موانىء عكا حيفا ويافا، ومصفاة النفط في حيفا (الفينري). كذلك كان يقيم في فلسطين، نحو 160 ألف مواطن من لبنان، خاصة من قرى وبلدات ومدن الجنوب، وكان عملهم يتركز في المجالات الحرفية المختلفة في مدن عكا وحيفا والناصرة وغيرها.
أما أعداد اليهود لحظة وقوع النكبة في فلسطين، فكانت بحدود 450 ألفاً، كان نحو 60% منهم حديثي الوصول نسبياً إلى فلسطين، التي وصلوا إليها على متن سفن وقوافل الهجرات الاستعمارية الاستيطانية برعاية سلطات وسطوة الانتداب البريطاني. واستطاعو تشكيل قوات عسكرية ضاربة كان قوامها نحو 60 ألف مقاتل تحت السلاح، وتضم كافة صنوف الأسلحة كجيشٍ متكامل، بما في ذلك سلاح الجو، حيث سلمتهم بريطانيا معسكراتها وحتى مطاراتها العسكرية في فلسطين.
وهكذا، وعند وقوع النكبة، خرج من فلسطين نحو 300 ألف مواطن سوري عادوا الى سوريا الحالية، ودخل معهم إلى سوريا نحو 85 ألف لاجىء فلسطيني غالبيتهم من لواء الجليل شمال فلسطين وأرياف مدن (الناصرة + عكا + صفد + طبريا + بيسان)، ولواء حيفا… وكذا الحال مع مواطني لبنان في فلسطين.
تاريخ حي لايُمكن لضيقي الأفق، الإقليميين الانقساميين، والتقسيميين الجُدد، المُعادين للفكر القومي العروبي، الحاقدين والموتورين تجاه فلسطينيي سوريا، خاصة بعد تدمير مخيم اليرموك والتنكيل به وبمواطنيه، وأصحاب النزعات “الحاراتية” و “الضيعجية” و “المناطقية”، من إدراكهِ أو تعقبهِ .

إلى الأعلى