السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / إسلام أهل عُمان .. دروس في السياسة والدبلوماسية

إسلام أهل عُمان .. دروس في السياسة والدبلوماسية

أوردت المصادر تاريخين مختلفين لدخول عُمان في الإسلام، الأول حددته بالسنة السادسة للهجرة، والثاني كان في السنة التاسعة للهجرة. لكن المتفحص للمسألة يدرك أن لا تضارب في المسألة، فقد دخل الاسلام إلى عُمان في السنة السادسة بإسلام الصحابي مازن بن غضوبة الذي ذهب الى المدينة وقابل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأشهر إسلامه، فعاد إلى عُمان وبالتحديد الى بلدته سمائل يدعو للدين الجديد، ويبدو أن دعوته الجديدة لقيت رواجا لدى أتباعه خاصة إذا علمنا المكانة الدينية للرجل قبل اسلامه، فقد كان رجل دين وسادنا لصنم يدعى ناجر أو باجر، ومع الأيام أخذت مبادئ الدين الجديد تنتشر في المحيط الجغرافي، ولا بد أنها وصلت إلى أسماع ملكي عُمان عبد وجيفر.
أما التاريخ الثاني: السنة التاسعة للهجرة فهو ما يمكن أن نسميه ” الإسلام الرسمي” أي إعلان نظام الحكم العُماني الدين الاسلامي دينا رسميا لبلادهم، والأرجح في رأي الباحث أنه كان في العام الذي أرسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأرض آنذاك يدعوهم فيها إلى الاسلام، والذي كان في العام التالي لفتح مكة أي في العام التاسع الهجري.
وهنا لا بد من قراءة قصة إسلام أهل عُمان في ضوء معطيات العصر والسياسة الدولية في ذلك الوقت. نجد أن كتب السير الأولى – التي وصلتنا- لم تفصل في شرح حال إسلام أهل عُمان، ولكن احتفظ لنا مصدر من القرن السابع الهجري بنص فريد نقله عن الواقدي صاحب المغازي والمتوفى سنة 207هـ ونقصد به ما جاء في كتاب ” الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والثلاثة الخلفاء (2/ 17) لمصنفه سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع المتوفى 634هـ. وكانت بداية الرواية على النحو الآتي ” ذكر الواقدى بإسناد له إلى عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث نفرا سماهم إلى جهات مختلفة برسم الدعاء إلى الإسلام، قال عمرو: فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معى كتابا”.
لن نورد القصة بتمامها، فمن أرد الاستزادة يمكنه الرجوع إلى المصدر، ولكن سأستعرض أهم ما جاء في تلك الرواية المطولة من مضامين تعكس دبلوماسية وحنكة سياسية تمتع بها الطرفان المتفاوضان: عمرو بن العاص ممثل النبي – صلى الله عليه وسلم- والحامل لرسالته إلى الطرف الثاني ملكي عُمان: جيفر وعبد ابني الجلندى، والتي تعكس في الوقت نفسه قدرة حكام عُمان آنذاك على استشراف المستقبل، لا سيما عبد الذي وصفه عمر ابن العاص”… ثم خرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا”.
وتعكس المفاوضات التي جرت بين عمرو بن العاص وعبد شقيق جيفر رؤية سياسية واضحة عُبِّر عنها عبر المحاور التي جرت خلالها المفاوضات السياسية التي سبقت إعلان ملكي عُمان إسلامهما ومن بعدهما إسلام عموم أهل عُمان.
إنّ السياسة اقتضت من حكام عُمان عدم التسرع في الرد، وهذا يعكس طبيعة النظام السياسي في عُمان آنذاك، وتعبر في الوقت نفسه عن بروتوكولات التعامل مع الرسل التي نلاحظها راسخة فيما جرى خلال أيام المفاوضات، فلم تُرفض الفكرة ( تغيير الدين) لمجرد الرفض والعناد من منطلق أن الدين الجديد يهدد ملكهما، بل نجد أن عبدا يدخل في مفاوضات معمقة وموسعة مع رسول النبي – صلى الله عليه وسلم- أراد من خلالها استجلاء الأمر واستيضاحه قبل إصدار قراره بالرفض أو بالإيجاب.
ومن خلال قراءة نص الرواية بتروي، يظهر أن قرار اتباع الدين الجديد كان بعد عدة جولات من المفاوضات بين عمرو بن العاص وعبد مباشرة، وجيفر بطريقة غير مباشرة، ” فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى”حيث كان يطلعه اخوه عبد على تفاصيل تلك المفاوضات يوما بيوم، والتي استغرقت عدة أيام. فقد أراد عبد من خلال تلك المفاوضات التعرف على الدين الجديد وأهم ما يدعو إليه، والتعرف على مدى انتشاره والقبول له، وفي الوقت نفسه استطلاع الموقف الدولي ( الروم والفرس) والموقف العربي ( قريش والقبائل العربية في الجزيرة) من الدين الجديد، وهو لا يغفل أن الدين الجديد قد أخذ بالانتشار في بلاده من خلال دعوة الصحابي ابن غضوبة كما أسلفنا، فليس من المعقول أن حكام عُمان كانوا يعرفون كل ما ذكر من أحوال العالم، ولا يعرفون ما يدور في محيطهم الجغرافي” عُمان”.
بدأت المفاوضات باستجلاء المحيط القريب من الدعوة، أقصد موقف زعماء قريش والقبائل، فكان سؤال عبد مباشرا عندما سأل عمرو عن موقف والده العاص أحد كبار زعماء مكة الذين قاوموا الاسلام: ” قال يا عمرو: إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك، فإن لنا فيه قدوة؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا”. أدرك عبد من تلك الإجابات أن الاسلام استطاع أن يوحد قبائل العرب في الجزيرة العربية والتي عاشت قرونا ممزقة متناحرة لأسباب ساذجة: البحث عن الكلأ والماء او الغنائم والثأر. كما أن قبول قريش به رغم استماتتها في مقاومته لدليل على أن الدين الجديد سيعم وينتشر رغم كل المقاومة التي لا تزيد الا في الخسائر المالية والبشرية.
كما لم يكن المحيط الدولي ببعيد عن اطلاع حكام عُمان آنذاك، وهذ يتضح من استفساره عن ملك الحبشة، عندما سأل عمرو عن مكان إسلامه، فطرح سؤالا واضحا عن موقف ملك الحبشة من الاسلام، فأجابه عمر بإسلامه، ثم نجده يتوسع في السؤال ليستجلي موقف شعب الحبشة من الملك والدين الجديد، “أخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان اتبعوه؟. قلت: نعم”.
بعد ذلك نجد عبد يريد التعرف على موقف القوى العظمى من خبر الدين الجديد، مدركا أن النجاشي ما هو إلا تابع في حكمه للروم، فسأله عن موقفه من ذلك “ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك، قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له نياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا، وتدين دينا محدثا، قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع”. ورغم انه لم يكن يشك في صدق عمرو بن العاص، إلا أنه كان يريد أن يطمئن لما يقوله عمرو” انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة فى رجل واحد أفضح له من كذب. قلت: ما كذبت، وما نستحله فى ديننا”.
وبعد هذه الرؤية الشمولية للموقف الدولي من الدعوة الجديدة، أدرك أن الدين الجديد سيعم العالم، لذا نجده يبدأ بطرح جملة استفسارات تتعلق بمبادئ الإسلام، وما يدعو إليه “قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه، قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، يأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهى، عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر وعبادة الحجر والوثن والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به”
ويبدو أن عبد وصل حالة كبيرة من الإطمئنان تجاه الدين الجديد، إلا أنه أراد التحقق من رأي عمرو بن العاص عن موقف الإسلام من مسألة سياسية تتعلق باستمرار ملك آل الجلندى، وقد أورد ابن طولون فحوى ذلك ” ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا، قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله” (ابن طولون، إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، ص97-98)
في الوقت نفسه، فقد حملت رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عُمان دلالة سياسية هامة، فقد خاطب الرسول ملكي عُمان على أنهما ملكان متوجان يتمتعان باستقلال شأن غيرهم من ملوك الأرض الذين راسلهم برسائل مشابهة المضمون والغاية.كما أن ما تضمنته الرسالة له دلالة سياسية هامة للعُمانيين أنفسهم، تتمثل بمنحهم استقلالا في الحكم والتبعية المحددة للمدينة النبوية، طالما أنهم أقاموا الإسلام في بلادهم. وزاد الآمر وضوحا عندما ارسل الرسول عمرو بن العاص إلى عُمان ، فهو لم يرسله واليا، بل عاملا على الصدقات، التي يأخذها من أغنيائهم، ويردها في فقرائهم، ولا يرسل شيئا لبيت المال في المدينة.
لقد كان لتلك المفاوضات والاستفسارات أثرها في تحديد موقف ملكي عمان من الإسلام، أضف إلى ذلك فإنّ ما جاء في رسالة النبي للملكين من مضامين مطمئنة للملكين، جعلتهما يتخذان القرار الإيجابي، فيدخل عمرو بن العاص برفقة عبد إلى جيفر ليعرض عليه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لقيت القبول من لدن جيفر، والذي أعلن وشقيقه عبد اسلامهما. قال: وأخرج عمرو الكتاب، فإذا صحيفة أقل من الشبر، فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بداعية الإسلام، أسلما تسلما، فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما» وكتب أبى بن كعب، وختم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب.
وهناك مواقف إيجابية من لدن النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أهل عُمان عززت موقف ملكي عُمان في إشهار إسلامهما، فقد أثنى صلى الله عليه وسلم على أهل عُمان” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إني لأعلم أرضا يقال لها: عُمان، ينضح بجانبها – وقال إسحاق: بناحيتها – البحر، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها” (مسند أحمد ط الرسالة، ج8، ص461).
خلاصة القول، فإن إسلام أهل عُمان كان عن اقتناع مقرونا بمصالح كبيرة حققها، فإسلام ملكيها ومن بعدهم رعيتهم لم تفقدهم شيئا من عناصر السيادة، بل على العكس كان الاسلام سلاحا روحيا وحد العُمانيين، وفجر فيهم قوة استطاعت تحرير سواحل بلادهم من السيطرة الفارسية، وظلّ آل الجلندى يحكمون بلادهم الى أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان.
” رحم الله أهل الغبيراء آمنوا بي ولم يروني”.

د. محمد عبدالله القدحات
استاذ قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى