الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. أكملوا وتحملوا

باختصار .. أكملوا وتحملوا

زهير ماجد

بعث الكاتب العربي غازي القصيبي برسالة الى مخترع الفياجرا يقول فيها: ياسيدي العظيم يامن قضيت على مواجع الكهولة وايقظت الفحولة اما لديك بلسم يعيد الى امتنا الرجولة ” .. لو ظل هذا الكاتب حيا ورأى بعينيه ماجرى لغزة من مواقف عربية ومن خذلان من مثقفين وكتاب وصحفيين واعلاميين عرب لاضاف الكثير على كلماته. مثلا، هنالك محمد حسنين هيكل الذي أوجعنا صمته، وكدنا ان نفسره على محمل الجد وكأنه موافقة على مذبحة غزة وعلى مطالب اسرائيل. اهمية هيكل انه التوقيت المنتظر للكلام الدقيق الذي يشرح ويفند ويبلور ويعطي كل مسألة حقها .. تراه صامتا من شدة الوجع والالم، ام لديه اسباب مصرية تمنع كلامه.
كان ينقصنا رجولة عربية اذن، هي كل مالمسناه من عدوان عشنا ازماته كأن كل واحد منا احد مصابيه. لم تغب الآهات عن كلامنا، فيما كان اهل غزة يشيعون اطفالهم، فلا تبكي النساء، ولا تصرخ، تأخذ وقتا للنحيب ثم تشعر ان زمن صمودها يتطلب منها الكبرياء على الجرح.
عظيمة كل امرأة في غزة، مرت اعمارنا دون مؤثرات الا فيما ندر، لكن التأثير الذي ضربنا في العمق كان مشهد نسوة غزة وهن يودعن اكبادهن، لم يردحن، ولم يصرخن فجورا، كانت المعانقة في اللحظات الاخيرة وهي تضم وليدها اشبه بهمسات بين الاثنين، كأنما يوصيها الابن ” انا قد قضيت فأكملوا وتحملوا”، فكانت الدمعة وحدها تقرأ وجهها دون وجود يأس في علاماته.
الآن تستفيق خاطري مشاهد الأمس كأنما هنالك من منتجها حتى بدت فيلما طويلا لن يبرح من البال ابدا. فلله درك ايتها المرأة الغزاوية التي نطقت بلغة الحزن الشديد والعميق وكأنها ترى في شهادة ابنها عربون وفاء لفلسطين. وليست هي المرة الاولى التي تنطق فيها الصورة بما حملت من آلام النسوة، فكان ان تكرر المشهد، لكن لغة الصمت التي ابلغ من الصراخ، اعطت لغزة كل هذا الأمل بان تعيش على جراحها، وان تقدم اولادها فدائيين محاربين يقاتلون في كل الظروف، فوق الارض وفي باطنها، تحت اشعة الشمس وفي البرد القارص ، في صدر العدو او في لحظات التجهيز لاستقباله.
لم أجدكم يامن كتبتم الكثير وقيل عنكم كتاب الصحافة والاعلام سوى ان سقوط بعضكم كان لعنة عليكم. لم يكن في غزة سوى أهل فلسطين، هم الأهل الذين صدقوا وكانوا يرمون اليكم العناوين التي تفضح المعتدي، لكنكم آثرتم بيع الضمير في لحظة اشراقة عربية سوف تحدث مرات وسترونها عندما يأذن التاريخ لها.
كثيرا ماسئلت عن صمت هيكل فلم اعرف الاجابة وهو الأكثر حيوية مهما تقول من كلام .. اعرف تماما ان الرجل صادق في صناعة وترتيب جمله وفي صياغة المهم من الافكار. كانت مساحة الزمن الذي مر على العدوان كفيلة بان يقول فيها ولو جملة بسيطة ذات معنى .. هل لأنه المستشار الذي يحتاج القرار .
العدوان على غزة جاء فضيحة للعديد من الاعلاميين الذين لم يخدشوا اللحظة ، بقدر ما صعقنا ونحن نراهم يردحون امام الكاميرات كأنما هنالك عداوة قديمة بينهم وبين المكان الثائر والمناضل والذي فتح جراحه ليقول للعرب هي دماؤكم فاسعفوها .

إلى الأعلى