الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن صمود غزة والداخل “الإسرائيلي”

عن صمود غزة والداخل “الإسرائيلي”

علي بدوان

” ، إن التوترات تسود الحالة “الإسرائيلية” الرسمية الداخلية على أعلى مستوياتها بشأن تقييم سير العمليات العسكرية على قطاع غزة ونتائجها، حيث بروز أصوات المُحبطين، مقابل أصوات المُتطرفين والمجانين. فالمحبطين يخشون من التزايد اليومي لحجم الخسائر البشرية “الإسرائيلية”، لذلك يرغبون بعملية برية محدودة داخل القطاع، حتى لا يدفعون فاتورة ثقيلة من دماء الجنود،”

شَكّلَ صمود قطاع غزة مفاجأة كبرى لمصادر القرار في تل أبيب وواشنطن، وغيرهما من العواصم الإقليمية والدولية الكبرى. فحجم العدوان على قطاع غزة وشعبه المُحاصر، غير مسبوق على الإطلاق لجهة القوة الفتاكة التي استخدمتها وتستخدمها اسرائيل الصهيونية في مواجهة منطقة ضيقة محصورة وكثيفة بالسكان المدنيين، ومع هذا فإن غزة لم ولن ترفع الأعلام البيضاء بالرغم من أهوال المحنة، وقساوة الواقع على الأرض.
الإدارة الأميركية، أكثر المتفاجئين بعظمة صمود غزة وأهلها، لذلك تتلعثم سياساتها الآن في الشرق الأوسط تجاه موضوع وقف العدوان على القطاع، بعد أن كانت قد اعطت الضوء الأخضر لـ “إسرائيل” للدخول الى غزة، ظناً منها بأن عملية “تقليع أظافر” الفلسطينيين وكسر قوتهم الفدائية المسلحة، مسألة هامة من أجل إعادة إحياء الخطة الميتة المُسماة بخطة الوزير جون كيري.
لقد صمد الفلسطينيون، وتحملوا فظاعات وأهوال الحرب على المدنيين وعمليات القتل الجماعي بأدوات القتل الرهيبة والأسلحة الفتاكة، وواجهوا جيش الاحتلال بقوة صغيرة لا تملك الا أدوات تكاد تكون بدائية أمام التكنولوجيا العسكرية “الإسرائيلية” وصراعاتها، وواجهوا ترسانة عسكرية “إسرائيلية” ضخمة، وقادرة على محو قطاع غزة عن الخارطة الجغرافية، واجهوها بكل اقتدار وتضحية، وبصمود قَلَ نظيره لشعبٍ محاصر ومُكافح على وجه المعمورة وعلى امتداد التاريخ المعاصر للبشرية.
إن تطور القتال في العدوان على قطاع غزة، وتحوله الى مجازر غير مسبوقة على الإطلاق، ضد عموم المواطنين من المدنيين، وتَحضرُك المظاهرات في مدن العالم المُختلفة، أربك الولايات المتحدة الأميركية، ودفعها للمسارعة بعد عشرة أيام من بدء العملية العسكرية “الإسرائيلية” لمطالبة “إسرائيل” بالتوقف ووقف إطلاق النار، خاصة بعد التورط بخسائر بشرية غير محسوبة في جيش الاحتلال، وهو ما أستولد تباينات بين الطرفين الأميركي و”الإسرائيلي” بشأن موضوع وقف النار في القطاع، ووصل هذا التباين لدرجة تبادل التُهم، لدرجة أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري إتهم بنيامين نتنياهو “بالعناد وعدم الفهم”.
وليس من المُستغرب هنا، أن نقول بإمكانية “إسرائيل” من الناحية العسكرية التقنية البحتة في احتلال القطاع بكامله، لكن هذا الاحتلال إن وقع، سيحول النصر لهزيمة لجيش الاحتلال، وسيدخل جيش الاحتلال لعش الدبابير، والى ميدان حرب استنزاف قاتلة على أرض قطاع غزة، والى مراوحة في المكان وحالة حرب استنزاف أكثر مما هو تقدم في أحسن الأحوال، قطاع غزة الذي حَلُمَ الجنرال إسحق رابين ذات يوم بأن يصحو وقد ابتلع البحر قطاع غزة ومن عليه من بشرٍ وحجر. والتاريخ العسكري هنا، يُعلمنا أن بعض الانتصارات أوصلت المنتصرين الى حضيض أبشع من الهزائم، ولنا أكثر من مثال على ذلك، ومنها أثناء حصار بيروت وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية صيف العام 1982، عندما واجهت قوات الاحتلال مقاومة عنيدة تراكمت بشكل سريع، وادت لتقهقر قوات الغزو “الإسرائيلي” وانسحابها الكامل بعد وقتٍ لم يكن بالوقت الطويل.
من جانب آخر، وبعيداً عن التفاصيل، إن المفاجأة الاستراتيجية التي اشتقتها قوى المقاومة الفلسطينية، وخاصة منها كتائب الشهيد عز الدين القسام، وسرايا القدس، والسرايا الفدائية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أسقطت حسابات جنرالات العسكرتاريا في “إسرائيل” وصناع القرار الأمني والسياسي، الذين تحدثوا عن قصف مجنون ومُروّع لمئات الأهداف العسكرية الفدائية الفلسطينية على امتداد قطاع غزة، دون أن يتمكنوا من وقف تدفق إطلاق الصواريخ على العمق المُحتل من فلسطين داخل أراضي العام 1948، فضلاً عن وقوع عمليات فدائية نوعية، وتحديداً خلف الخطوط، وهو ما أوقع خسائر بشرية عالية في جيش الاحتلال، بكلفة لم تكن لتتعود عليها “إسرائيل” وجيشها. وفي هذا الإطار نشهد تسليماً “إسرائيلياً” بعجز سلاح الجو عن إحباط استمرار عمليات إطلاق الصواريخ، فضلاً عن المفاجأة التي أحدثتها الأنفاق وصدمت المستويات السياسية والعسكرية والاستخبارية “الإسرائيلية”، حتى بدت تلك الأنفاق كتهديد إستراتيجي جديد يزاحم خطر الصواريخ، وبمعايير معينة تتفوق عليها.
وعليه، إن التوترات تسود الحالة “الإسرائيلية” الرسمية الداخلية على أعلى مستوياتها بشأن تقييم سير العمليات العسكرية على قطاع غزة ونتائجها، حيث بروز أصوات المُحبطين، مقابل أصوات المُتطرفين والمجانين. فالمحبطين يخشون من التزايد اليومي لحجم الخسائر البشرية “الإسرائيلية”، لذلك رغبوا بعملية برية محدودة داخل القطاع، حتى لا يدفعون فاتورة ثقيلة من دماء الجنود، كما أن المستوطنين “الإسرائيليين” في المُستعمرات المجاورة لغلاف قطاع غزة، أصابهم الملل، والخسائر الاقتصادية اليومية، من تحمل المواجهة مع قوى المقاومة في القطاع، لاسيما أن تلك المواجهة تزيد اليوم بعد الآخر من عدد قتلى وجرحى الجيش، ومن تعل حياة المستوطنين وشلها.
أما المتطرفون والمجانين، وهم غالبية وزراء حكومة بنيامين نتنياهو، فمازالوا يعتقدون بضرورة اجتثاث حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وغيرها من قوى المقاومة، حتى لو تطلب الأمر إعادة احتلال القطاع. وقد نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة “هآرتس” معلومات واضحة عن سجالات دارت بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبعض الوزراء، حيث تعالت أصوات المُتطرفين من الوزراء الذين اتهموا رئيس الحكومة بفشله في إدارة العملية بكاملها على مستوياتها العسكرية والسياسية. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر “إسرائيلي” رسمي قوله “إن وزير الداخلية والمتطرف الليكودي (جدعون ساعر) قال لنتنياهو “إن غاية العملية العسكرية كانت ينبغي أن تكون، منذ اليوم الأول، القضاء حكم حركة حماس” مضيفاً “بأن الخلل يعود “إلى تلكؤ الجيش الإسرائيلي وطبيعة إتخاذ القرارات في الحكومة، وسوء إدارة الأمور”. وكان (أريه درعي) زعيم حزب شاس المتطرف والشريك في الإئتلاف الحكومي، قد دعا الدوائر السياسية والأمنية في تل أبيب إلى عدم قبول المبادرات، الرامية إلى التهدئة أو وقف إطلاق النار، ومتابعة العملية العسكرية حتى النهاية.
في هذا السياق، وعلى النقيض من أصوات المُحبطين والمتطرفين، وأصوات قوى اليمين واليمين المُتطرف في “إسرائيل”، إن الفعل الجماهيري الكبير والواسع والمظاهرات التي شهدتها ومازالت تشهدها البلدات العربية الفلسطينية داخل حدود العام 1948 “داخل إسرائيل” من الجليل شمالاً وحتى النقب جنوباً، تضامناً مع قطاع غزة، مع شعبهم المحاصر هناك، أعطت نتائجها وفعلها الواضح، حيث تتراكم الآن داخل “إسرائيل” دعوات وقف العدوان، وتشارك بتلك الدعوات بعض القوى اليهودية ذات الحضور المتواضع في المجتمع “الإسرائيلي” المُتخم والمُشبع بروحية اليمين واليمين المُتطرف.

إلى الأعلى