الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بداوة المفكر العربي (1)

بداوة المفكر العربي (1)

أ.د. محمد الدعمي

” لنقرأ تاريخ العرب ونتمعن به، ثم لنلاحظ قصص العقول الذكية والأذهان الوقادة عبر سنوات هذا الماضي، فاننا لابد أن نستمكن نوعاً من البداوة التي استحلبها المفكرون والموهوبون العرب من تراث أجدادهم البدو الرحل الذين كانوا دائمي التنقل طافين على مدار لازمني ولا مجدي، درجة تشبيه المصادر الغربية لهم بأبي العرب، إسماعيل.”
ـــــــــــ

إذا كنت أعتز بأني قد قرأت تاريخ العرب دون ذرف الدموع التي تمنع قراءة بعض الأحرف أو الكلمات بوضوح، فان لي أن أدعي بتعمقي أكثر من غيري في أعماقه، خاصة بعد رفد فهمي له بتورخة المفكرين الغربيين للعرب والإسلام، عبر تخصصي في حقل الاستشراق الأدبي. والحق اقول، فان التورخة الأخيرة هي التي تعمق البصيرة بقوة، وليس البصر فقط، لفهم التاريخ وسبر أغواره.
لقد رصدت عبر سني تفاعلي مع، وبهذا التاريخ القومي عدداً من الظاهرات الملفتة للنظر حتى تمكنت من تشخيص مايمكن أن أطلق عليه تعبير “بداوة المفكر العربي”. وبالمناسبة، لا أقصد بالبداوة في هذا السياق عادات التفكير والتقاليد البدوية، بقدر ما أقصد حال الترحال من مكان لآخر بحثاً عن الكلأ والماء التي تمرس عليها البدو الأصل منذ الأزل؛ ويتمرس عليها بدو الفكر العربي، ليس في الربع الخالي ولكن بين عواصم أوروبا والعالم.
لنقرأ تاريخ العرب ونتمعن به، ثم لنلاحظ قصص العقول الذكية والأذهان الوقادة عبر سنوات هذا الماضي، فاننا لابد أن نستمكن نوعاً من البداوة التي استحلبها المفكرون والموهوبون العرب من تراث أجدادهم البدو الرحل الذين كانوا دائمي التنقل طافين على مدار لازمني ولا مجدي، درجة تشبيه المصادر الغربية لهم بأبي العرب، إسماعيل. لقد اعتمد المفكر العربي طوال تاريخ الثقافة العربية، النمط البدوي المتنقل في العيش، أساساً لبقائه وأسلوباً للمناورة من أجل إطالة حياته والنجاة بعبقريته دون أن تمسها سلطة الدولة. هنا أتكلم عن سلطة الدولة نقيضاً لسلطة المفكر، إذ تشوب الصلة بين السلطتين حال الشد والجذب منذ اقدم العصور.
قرأت تواريخ الفكر العربي، فعرفت أن الصعاليك كانوا ينتفضون ضد سلطة القبيلة فيضيعون في “الهوام” بحثاً عن بعضهم أو عمن يرعاهم في سبيل البقاء والإبقاء على عطاء أدمغتهم الفطنة. أما إذا ماغادرنا الوجود الصحراوي لننتقل من الأعراب إلى عرب الحواضر، فاننا لابد وأن نصطدم بظاهرة الانتقال المتواصل البدوية، احتجاجاً أو بحثاً عن الملذات والتجارب، درجة البداوة الصحراوية الحقيقية عند كبار شعراء ومفكري تاريخ ثقافتنا، ابتداءً من شعراء ومفكري العصر الأموي، ثم العباسي، ومع المتنبي وسواه من “بدو الفكر” العربي الذين ابتنوا بداوتهم على فكرة استخلاص كل ماهو ممكن وأفضل ماهو متاح من هذا الأمير أو ذاك الملك، من هذا الراعي أو ذاك البطل، على سبيل البقاء وتجاوز صعوبات الحياة المميتة للمفكر في العالم العربي كي لايواجه مصير أبي منصور الحلاج الذي صلب لأنه أعلن “أنا الحق”. وقد جسد أعظم شعراء العربية، أبو الطيب المتنبي، بداوة الفكر حتى قتل اثناء واحدة من تنقلاته البدوية، إذ ظفر به كاره له، فلم يرحمه ولم يرحم الأدب العربي بأسره. وذاك هو قبره في النعمانية على الطريق الموصلة بين بغداد والكوت.
وإذا كان بدو الفكر والثقافة العرب كثيرو العدد في العصرين القديم والوسيط، اي بين جيل الصعاليك وجيل المتنبي، مروراً بسواهم من الأجيال عبر العصر الأموي، حيث راحت العصبيات القبلية والفرقية تفاقم فاعليتها حتى تحولت إلى أدوات قتل. أما العصر الحديث فما فتيء يمور ببداوة الفكر، حيث المفكرون الرُحل الذين يتنقلون من عاصمة لعاصمة بحثاً عن الرعاية والحماية، الجاه والثروة، من بين أغراض أخرى.

إلى الأعلى