الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. ثمار مساعٍ مخلصة ورغبة صادقة للتكامل

رأي الوطن .. ثمار مساعٍ مخلصة ورغبة صادقة للتكامل

حينما أبحرت سفن العمانيين منذ بواكير القرن الثامن عشر إلى الشرق والغرب كانت في الحقيقة تؤسس لعلاقات عصرية هي باكورة نظام العلاقات الدبلوماسية بمفهومها الحديث، وذلك تجاوزًا لرصيد الإبحار التجاري المعهود عن الأسطول البحري العماني منذ قرون عديدة.
هذا يعني ـ بما لا يدع مجالًا للشك أو التشكيك ـ يدل على الريادة العمانية في مجال العلاقات الدولية ومخاطبة الآخر بلغة التفاهم المشترك وإنشاء تمثيل دبلوماسي مع الدول الشقيقة والصديقة لدعم الأمن والاستقرار والرخاء في بلادنا وخارجها.
والنشاط البحري التجاري الذي مارسه العمانيون ردحًا من الزمن كان جسرًا لإنشاء علاقات سياسية وثقافية واقتصادية بين بلادنا وبلدان العالمين القديم والحديث وصولًا إلى الولايات المتحدة التي تعد العلاقات العمانية معها أول علاقات عربية تقام مع تلك الدولة الفتية آنذاك، وقبل ذلك التاريخ بألف عام كانت السلطنة قد أقامت علاقات مع الهند توجت بواحدة من أقدم الممثليات الدبلوماسية بين البلدين.
ومع تطور العلاقات الدولية وقيام الأمم المتحدة وأجهزتها ظلت الرسالة العمانية الحضارية والأخلاقية تسير صيرورتها المتنامية تنادي بالشراكة والتعاون والتكامل في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية من أجل التنمية المستدامة وخير البشرية والإنسانية وتحقيق السلم والأمن الدوليين، والعيش في وئام وسلام، بعيدًا عن كل المنغصات وبعيدًا عن سياسة التآمر والحروب والعداء، وبث بذور التفرقة والشحناء، ومن أجل أن تسود القيم والمبادئ والمُثل بين شعوب العالم وروح التعاون والتبادل في كافة المجالات، والإيمان العميق بأهمية المساواة واحترام الذات الإنسانية وتكافؤ الفرص بين الجميع ونشر المعرفة وتشجيع الإبداع.
هذا السبق العماني في مضمار الحضارة الإنسانية لم يكن كلامًا إنشائيًّا ومادة إعلامية دعائية، وإنما هو ذاته الذي تحقق مع نشوء مفاهيم العلاقات التجارية والتكامل الاقتصادي، والتعاون التجاري والاندماج الاقتصادي، والتكتلات والتجمعات والشراكات الاقتصادية، حيث كانت تلك السفن العمانية العابرة لبحار العالم محملة بالبضائع العمانية من تمور ولبان وغيرهما.
وفي هذا السياق يأتي توقيع وزراء خارجية كل من السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وتركمانستان وجمهورية أوزبكستان أمس على وثيقة مذكرة التفاهم لمشروع اتفاقية “عشق أباد” المتعلقة بإنشاء محور دولي للنقل والعبور بين الدول الأطراف.
ومما لا شك فيه أن التوقيع على هذه الوثيقة يؤشر إلى نجاح المساعي المخلصة في هذه الدول ورغبتها الصادقة في إيجاد تكامل وتعاون اقتصاديين من خلال استغلال المواقع الجغرافية لها بما يعود بالنفع الكبير على اقتصاداتها وينعكس رخاءً ورفاهًا على شعوبها ويوفر فرص عمل ويرفع مستويات الدخل وينوعه، إذ من شأن هذا المحور الدولي للنقل والعبور بين الدول الأربع الأطراف أن يجذب استثمارات هائلة، بل إنه مؤهل ولديه الإمكانات الكبيرة التي تضع هذه الدول على الخارطة العالمية للدول الأكثر جذبًا للاستثمارات، وبخاصة السلطنة وما تتميز به من موقع جغرافي فريد التي استغلته استغلالًا طيبًا من خلال إنشاء الموانئ الدولية والمناطق الصناعية الضخمة مثل ميناء صلالة وميناء الدقم والمنطقة الاقتصادية في الدقم، وميناء صحار الصناعي، بالإضافة إلى الخبرات الجيدة التي تملكها الدول الثلاث الأخرى (إيران وتركمانستان وأوزبكستان)، ولا ريب أن هذا التقارب والتعاون الاقتصادي والاستثماري المهم ليس موجهًا ضد أحد، بل إنه موجه لخير شعوب الدول الأربع الأطراف وخير ونماء اقتصادها، وهو ما أكده صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء أثناء استقباله معالي وزراء خارجية إيران وتركمانستان وأوزبكستان، حيث إن من شأن هذه الاتفاقية أن تربط بين موانئ السلطنة والموانئ الآسيوية والتي ترتكز على الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لعُمان كملتقى للممرات البحرية الدولية، ومن شأنها أيضًا أن تفتح آفاقًا لدول أخرى في المنطقة لدى انضمامها لهذه الاتفاقية التي تشكل فرصة مهمة للقطاع الخاص لأن يضطلع بدوره في مجالات الاستثمار.

إلى الأعلى