الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

هل لكم من تعليق على هذا الموقف أي حوار بسيط بينه وبين زوجته أدى إلى الطلاق؟.
هذا من الهوس وضلال العقول، وعدم معرفة الناس كيف يتصرفون، الطلاق إنما جعل بيد الرجل لأن الرجل أقدر على ضبط أعصابه والتحكم في نزعاته ونزغاته، أقدر على التحكم في عواطفه عندما تهيج بخلاف المرأة فلذلك جعل الطلاق بيد الرجل، ولكن الرجل أصبح هو الأحمق والأرعن الذي يتصرف هذا التصرف الذي هو خارج عن حدود الاعتدال .
الطلاق أولاً لم يشرع من أجل التلاعب، يتفادى الطلاق كل التفادي، ولذلك حتى عندما يستحكم الخلاف بين الرجل والمرأة يؤمر إن تعذر الصلح فيما بينهما وعلاج مشكلتهما فيما بينهما يؤمر أن تتدخل الأسرتان أسرة الرجل وأسرة المرأة (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء ـ 35)، ذلك من أجل تفادي الطلاق، عندئذ إذا تعذر الوفاق وصارت الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق عندئذ يمكن الطلاق أو يجوز الطلاق ولكن مع هذا لا بد من أن يكون تراعى فيه شروط، الله تبارك وتعالى يقول:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ) (الطلاق ـ 1)، وقد بيّن ذلك حديث الرسول (صلى الله عليه وسلّم) عندما جاء إليه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقال له: يا رسول الله إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض فقال له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء أي يمكن أن يطلق المرأة في طهر لم يباشرها فيه، أما في طهر باشرها فيه فالطلاق حرام، أو في الحيض أيضاً الطلاق حرام لأن هنالك حكمة ربانية، في الحيض كثيراً ما تكون المرأة هائجة العواطف متوترة الأعصاب فيؤمر الرجل أن يحتمل هذه الحالة النفسية منها وأن لا يتسرع إلى طلاقها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الرجل لا يتمكن من قضاء وطره من المرأة في هذه الحالة فلربما زهد فيها نفسه فلذلك أمر بأن يمتنع من الطلاق في هذه الحالة، وأما في الطهر الذي باشرها فيه أيضاً قد تكون نفسه أصابت الرغبة منها وانتهت هذه الرغبة فقد يتسرع إلى طلاقها، أما في طهر لم يباشرها فيه فإن نفسه تكون أكثر ميلاً إليها مع إمكان قضاء الوطر منها فلذلك لا يطلقها إلا لداعٍ لا محيص عنه، ثم مع هذا الله تبارك وتعالى يقول:(الطَّلاقُ مَرَّتَان) (البقرة ـ 229)، ومعنى ذلك أن الطلاق الذي يكون بعده الرجوع بحيث تكون المراجعة مراجعة المرأة هو طلقة بعد طلقة، فلا يوقع الطلاق دفعة واحدة، وإنما يوقع الطلقة الأولى فإن وجد نفسه تميل إلى المرأة تمكن من مراجعتها، فإن انتهت عدتها كان واحداً من الخطاب، والأمر يعود إليها، وبعد هذا لو راجعها وطلقها ثانية كذلك نفس الشيء، بعد ذلك إن طلقها الثالثة منع هنا من مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ولكن مع ذلك نجد الناس يتسرعون فيجمعون الطلقات الثلاث دفعة واحدة، كل ذلك بسبب الهوس وعدم قدرتهم على التحكم في العواطف وعدم خشيتهم من الله، فهم يخالفون كتاب الله، ويخالفون هدى رسوله (صلى الله عليه وسلّم)، وكثير من العوام الجهلة لا يطلقون حتى يكفروا، يجمعون بين كفرين والعياذ بالله، بحيث يقول أحدهم لامرأته أنت حرام عليّ وحلال لأي رجل آخر، من أين هذا القول من أين جاء به؟ هي أولاً قبل كل شيء في العدة، وفي العدة إن كان الطلاق رجعياً فهو أملك بها لأن الله تعالى يقول:(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك) (البقرة ـ 228)، ثم من ناحية التحليل للغير، الله تعالى حرمها على الغير ما دامت لم تنته عدتها فقد قال:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن) (البقرة ـ 228)، فلا يحل لهن الزواج إلا بعد مضي هذه الثلاثة القروء، فمن أين له أن يحللها لغيره؟ هذا التصرف دليل الهوس، وهو كفر لأنه افتراء كذب على الله، والله سبحانه وتعالى حذّر من التجرئ على التحليل والتحريم إلا بحكم منه، لأن التحليل والتحريم من شأن الله لا من شأن العباد، الله تبارك وتعالى يقول:(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لايُفْلِحُونَ) (النحل ـ 116)، وقول تعالى:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس ـ 59)، وبيّن سبحانه وتعالى أن التحريم لما أحل الله من شأن المشركين فقد قرن بين الإشراك والتحريم عندما قال في سورة الأنعام:(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام ـ 148)، وكذلك قال في سورة النحل: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) (النحل ـ 35)، فليس للإنسان أن يقدم على تحريم شيء أحله الله ولا على تحليل شيء حرمه الله، إنما التحليل والتحريم بيد الله سبحانه وتعالى وحده .. والله تعالى المستعان .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

إلى الأعلى