الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة الدولية من منظور إسلامي (1 ـ 5)
أحمـد أبو الوفـا: تأتي أهمية دراسة فكرة (العدالة) في إطار العلاقات الدولية كنظام أساسي أكّد عليه الاسلام

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة الدولية من منظور إسلامي).. للدكتـور أحمـد أبو الوفـا ـ أستاذ القانون الدولي العام كليـة الحقـوق بجامعـة القاهـرة.
يقول الباحث في بمقدمة بحثه: إن الإسلام عُني بكافة جوانب الحياة، بما في ذلك تقرير قواعد للتعامل في إطار القانون الدولي والعلاقات الدولية في مختلف جوانبها ومناحيها، لذلك فقد وضع الإسلام، منذ بداية وجوده، قواعد قانونية يلتزم بها المسلمون في علاقاتهم مع غير المسلمين.
موضحاً بأن قد تعددت الأسباب التي ذكرها الفقهاء المحدَثُون لنشأة القانون الدولي في الفقه الإسلامي: فقد ذهب البعض إلى أن ذلك يرجع إلى وجود عدد كبير من غير المسلمين داخل الدولة الإسلامية، ويذهب آخرون إلى أن ذلك يرجع إلى عالمية نداء الإسلام للبشرية، بما يحتم وجود قواعد تحكم علاقة المسلمين بالدول غير الإسلامية وبغير المسلمين المقيمين في دار الإسلام، ويرى فريق ثالث أن ذلك يرجع إلى أن الإسلام دخل، منذ البداية، في منازعات مع أعداء كثيرين، بما يحتم وجود قواعد تحكم علاقاته معهم لمواجهة كافة المشاكل التي ثارت، مثل تلك الخاصة بالأعداء، والمحاربين والشعوب الخاضعة.
وقال: ونحن نعتقد أن السبب الحاسم والرئيس لوجود قواعد القانون الدولي الإسلامي، يرجع إلى أمور ثلاثة، وهي: أن الإسلام هو دين ودنيا، وبالتالي بات من الضروري وجود قواعد للتعامل الدولي والداخلي، إلى جانب الأحكام الدينية، وأن الإسلام دين كامل، وبالتالي فهو يشمل كل ما قد يصادف المسلمين في حياتهم الدنيوية: الداخلية والدولية. وصدق الله تعالى حيث قال:(اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة ـ 3)، ويقول أيضًا: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل ـ 89)، وأن الإسلام دين (غير منغلق على ذاته)، وإنما يخاطب الآخر: أفرادًا أو دولًا أو جماعات ويقيم معه ما يلزم من العلاقات.
وحري بالذكر أن القانون الدولي المعاصر لا يستند إلى الدين كأساس لقواعده ونظمه. وهو أمر يختلف عن النظام الإسلامي والذي يجعل الشريعة الإسلامية في بؤرة اهتماماته حتى على الصعيد الدولي وفي إطار العلاقات مع الدول الأخرى.
ومن هنا تأتى أهمية دراسة فكرة (العدالة) فى اطار العلاقات الدولية كنظام أساسى أكد عليه الاسلام وشدد على عدم الخروج عليه تحت أى سبب أو استنادا الى أية ذريعة غير صحيحة، ويشكل ذلك الجانب الأساسى الأول من الجوانب الأخلاقية الدولية فى الشريعة الاسلامية: اذ يشدد الإسلام على ضرورة مراعاة العدالة والأخلاق والتقوى والمعاملة الحسنة وحسن النية في العلاقات الدولية. تلك ميزة أساسية في الإسلام يعوزها بوضوح القانون الدولي المعاصر.
العدالة هى أساس أية علاقات انسانية أو دولية:
نشير إلى العدالة كمبدأ من المبادىء الاسلامية العامة، ثم إلى منع الظلم باعتباره الأثر الحتمى للعدالة. والعدالة مبدأ من المبادىء الاسلامية العامة: إذا أردنا فعلاً أن تكون العلاقات ـ داخليًا ودوليًا ـ حقيقة ملموسة وواقعة، فيجب أن يكون الأفراد والحكام والدول عادلين مع أنفسهم ومع ذويهم ومع غيرهم: فالعدل هو الأساس الذي يزيل من تلك العلاقات أي مساس، وبالتالي به يسعد الناس، وهكذا في وصيته إلى ابنه وولي عهده، يقول الملك أبو حمو:(اعلم يا بني أن العدل سراج الدولة فلا تطف سراج العدل بريح الظلم. إن ريح الظلم إذا عصفت قصفت، وريح العدل إذا هبت ربت).
وهناك قول مأثور يبين بجلاء مدى أهمية احترام الحق في الشريعة الإسلامية وكذلك أساسه المكين: وهو العدل. يقول الإمام ابن قيم الجوزية: (.. إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت إمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق وعرف العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟؟ ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي).
فالأمة الكريمة هي تلك التي تؤثر الحق طريقًا وترتضي العدل في جنب العدو صديقًا، فالحق (واحد) لا يتعدد:(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) (يونس ـ 32)، والحق قديم لا يبطله باطل، وكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أن الزم الحق ينزلك الحق في منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق، وكان أول كتاب كتبه علي بن أبي طالب في خلافته: أما بعد فإنه هلك من كان قبلكم فإنهم منعوا الحق حتى اشترى، وبسطوا الباطل حتى اقتنى، وقال ابن مسعود: من كان على الحق فهو جماعة ولو كان وحده، لذلك لم يتوان فقهاء وأئمة المسلمين عن التأكيد على فكرة الحق بصفة عامة وحقوق الإنسان بصفة خاصة: فعن الحموي:(السياسة شرع مغلظ وهي نوعان سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيرًا من المظالم وتردع أهل الفساد وتوصل إلى المقاصد الشرعية فالشريعة توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها)، وخطب سعيد بن شريك بحمص فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال:(أيها الناس إن الإسلام حائط منيع، وباب وثيق، فحائط الإسلام الحق، وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلاً بالسيف، ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاء بالحق، وأخذًا بالعدل)، ويقول ابن المقفع:(وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم فلعمري لئن أخذوا بالحق ولم يؤخذوا به أنهم لخلقاء ألا تكون لهم نزوات ونزقات).
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى