الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (8)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين ، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس :أمـا أثـرالـيـقـين فـهـو أنه يـجـعـل كل مـا سـيـجـري في الـمسـتـقـبـل مما أخــبر الله عـنه في حـكـم الـواقـع والـماثـل للـعـيان حـالا لاشـك فـيه.
وأما الـسـبيـل إلـيه فـهـو الاكـثـار مـن ذكــر الله تعالى ودوام مـرقـبـته ، وقـد مـر بـك الحـديث عـن أهـمية ذكــر الله تعالى، وعـن أثـره في تحـريــر الـقـلـب مـن الـغـفـلة عـن الله تعالى، وعـن أثـره في صـرف الـذاكـر عـن الأكــوان إلى الـمكـون وعــن الأسـباب إلى الـمـسبب الحـقـيـقي خـالـق الأسـباب.
عــد إن شـئت إلى ما قـلته لك في ذلك مـفـصـلا وهـو:(لا تـتـرك الـذكـر لـعــدم حضـورك مـع الله فـيـه)، أو إلى قـولي لـك:(شـعـاع الـبـصـيرة يشـهـدك قـربـه سـبحانه وتعالى مـنـك) فـذلك خـير مـن أن أكــرر لـك شـيئاً سـبـق أن فـصـلـت الـقـول فـيه.
وصـفـوة الـقـول: أن الــدنـيا بـكل ما فـيها مـن محـاسـن ومـغـريات، إمـا أن تـكـون حجـابا تـبعـد الـمـقـبـل إلـيها عـن الآخــرة وأحـداثـها وتصـرفـه عـن تـذكـرها والاسـتعــداد لـها، وإمــا أن تـكـون منـبـّهاً إلـيها مـذكـراً بـها، فـهـي ذات أثـريـن مـتـنـاقـضـين يـتـفـرقـان حـسب حـال الـمـقـبـل إلـيها والـمتـعـامل مـعـها .
فـمـن أقـبـل إلـيها وتعـامل مـعـهـا غـافـلاً عـن الله، مـعـرضاً عـن تـعـريـفه لـهـا وحـديثـه عـنها وتحـذيـره مـنها حـجـب بها، وحبست بـصيرته في أقـطـارها، فـلـم يـعـد يـقـيـم وزنـاً لـشيء مما هـو مـقـبـل عـليه إلا مـا يـنـاله مـن الـدنيا.
ومـن أقـبـل إلـيـها وتعـامل مـعهـا ذاكـراً الله تعالى دائـماً، متأمـلا في تعـريـفـه لـها وحـديـثـه جـل جـلالـه عـنهـا، وتـنـبيهـه إلى الأيام الـثـقـيـلة الـوافـدة إلـيه مـن ورائـها، رآهـا كالـباب الـذي يـدخـل مـنه الـوافـد إلى الـدار، لا يحـفـل به إلا مـن خـلال أنه طـريـق ينتهـي به إلى مسـتـقـره الـقـاصـد إلـيه، هـل رأيت قـادماً مـن سـفـر له إلى داره التي فـيها أهـله وألاده، وفـيها كل ما قـد شـده الـشـوق إلـيه ، مـن الـنـعـيـم الـمـقـيـم وأسـباب الـمتـعـة، وطـيب الـطـعـام وفـاره الأثـاث، ثـم وقـف عـنـد مـدخـل الـدار يتـسـلى بالـبـاب الـذي يمـر مـنـه إلى الـدار، ناسـيا ما بـرح بـه الـشـوق إلـيه مـن الـدار وكل ما فـيها؟.
كـذلك حـال مـن هـيمـن ذكــر الله عـلى فـكـره وقـلـبه، ونـظـر إلى الـدنـيامـن خـلال ما وصـفها الله به، ومـن خـلارل كـونها الـمـدخـل أو الـباب لـتـلك الحـياة الآخـرة، التي كـم وكـم أطـنـب الـقـرآن الكـريـم في بـيانهـا، وفـصـل في وصـفـها وبـيان خـلـود نـعـيـمـها، إنـه ينـظـر إلـيها ويتعـامـل مـعهـا، ولـكـنه لا يـرى بـبصـيرته مـن خـلالـها إلى الآخـرة.
فـإن رمــق بطـرفـه إلى الـسماء ينـظـر في طـلام اللـيـل، إلى كـواكـبـها التي تـتـلألأ، ثـم لـم يـجـد فـيها إلا مـصـداق ما قــد حـدثـه الله به وأخـبره عـنه ، مـن أنـبـاء الـمـستـقـر الـذي هـو مـقـبـل عـلـيه ، وإن بـعـث عـينيـه في بحـار الـدنيا ويـابسـها، وما حـوله مـن زخـرف الأرض وزيـنـتها، وثـمارها وأزهـارها ورياحـينها، لـم يـشـده ذلك كله إلا إلى الــنـبأ الـعـظـيـم، الـذي حـدثـه الله عـنه فـهـيـمـن عـلى مجـامـع فـكـرة وخـلجـات قـلـبه.
وبـعـبارة أخـرى إنه إذ يـتـأمـل الـدنـيا بـبـصـره ويـصغي إلـيها بـسمـعـه لا يـبـلـغـه مـنـها إلا حـديـثها عـن الـمـســقـر الـذي ينتـظـره، وهـو في مجـمله لـيـس إلا تـرجـمة دقـيـقـة لـوصـف الـقـرآن الكـريـم لـها، وللأيـام بـل وللحـيـاة الخـطـيرة والـثـقـيـلة الـكامـنة في أعـقـابها.
أجـل إنه يصـغي إلى هـمسها، لا يسـمع مـنـها إلا ما ينـبهه إلى الحـياة الآخـرة، التي هـي الـمـدخـل والـمـمـر إلـيها، ومـن ثـم فـهـو ينـاجي الله قـائـلاً:(.. رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عـمـران 191 ـ 194).
هـكـذا فإن الـدنـيا بـكل مـا فـيها مـن زخـارف ومـلـهـيات، لا يـكـون حجـاباً عـن رؤية الآخـرة والـعـمـل مـن أجـلـها، لـمـن داوم عـلى مـراقـبة الله تعالى وذكـره، وكان دأبـه ربـط الـنعـم بالـمـنعـم، والـمخـلـوق بالخـالـق، والأسـباب بالـمسبب، بـل تـكـون تـلك دالـة عـليها، مـعـبرة عـنها ومـوصـلة إلـيـها، بـل إنه لـينـظـر إلى الـدنيا فـيرى الآخـرة مـن خـلالـها.
بـقي أن نـعـلم أن الـدنـيا وقــد أصـبحت مـرآة للآخـرة، أمام مـن قـد وصـفـته لك مـن حـسن حـالـه مـع الله مـراقـبة وذكــراً له، لابــد إن أمـعـن الـنـظـر إلـيها، أن يجــد نــذيـر الـفـناء مـلازمـا لـها واضحـا ًعـليها، إذ لا يـبـقى شيء مـن ألـقها أو نـعـيـمهـا أو زخـرفـها، عـلى حـاله قـط، يــولـد كل شـيء فـيها، مما يحـبه الإنسان ويتعـلـق به بـرعـما صـغـيرا، ثـم يتـفـتـح مـكسـوا بـمـظـهـر مـن الـرواء والجـمال، ثـم مـاهـو ألا أن يـذبـل ويخـتـفـي فـيه ذلك الـرواء وذلك الجـمـال، وتـتـجـردعـنه كـسـوة الجـمال، وإذا هـو أثـر بـعـد عـين وخـيال في خـيال.
ذلك هـو الطـابـع الـذي يـتـبـدى عـلى أشـياء الـدنـيا كلـها، وزخـرفـها ورونـقـهـا، وتـلك هي الـمـراحـل الـثـلاث التي لا بــد أن تـمـر بـهـا، تـلك الـمراحـل تـتـلـو عـلى سـمـعـك دائـما نشـيـد الـغـروب والـفـنـاء، سـواء كانت بـرعـما لـم يـتـفـتح بـعـد، أو تـفـتـح مـن بـعـد عـبـقاً وجـمـالاً ورواء وزخـرفـاً أو تـراجـعـت مـصوحـة عـائـدة أثـراً بـعـد عـين تتـلاشى.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى