الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حين يكون التضخم ورما حميدا

حين يكون التضخم ورما حميدا

كاظم الموسوي

”لا يوجد اقتصاد في أي بلد في العالم بمنأى من حالة التضخم في الارتفاع والانخفاض تحت تأثير العوامل المتحكمة في صعود أو تراجع النشاط الاقتصادي، وكذلك بقدر ما يتعلق الأمر في الإجراءات التي تتولاها المؤسسات الحكومية أو المؤسسات الأخرى المعنية بمتابعة حركة الاقتصاد والتنمية عمومًا.”
يتباين تشخيص التضخم في التوصيف المعتمد من اقتصاد إلى آخر تبعًا لتضخم الأسعار، أو ارتفاع وتيرة التكاليف، أو زيادة كبيرة في الائتمان المصرفي، أو النقدي أو ارتفاع الدخول، غير أن الشائع في استخدام هذا المصطلح هو ما يتعلق بتضخم الأسعار، بمعنى ارتفاع الأسعار مع احتمال وجود انخفاض نسبي في قيمة العملة، أية عملة مستخدمة للتداول اليومي في الأسواق وفي المعاملات المالية والتجارية، وكذلك مع وجود استقرار لهذه العملة.
إن هذا التباين في تشخيص التضخم يعكس حالة من الغموض الواسع إزاء التعامل العام مع هذه الظاهرة الاقتصادية من قبل الرأي العام في أغلبيته المطلقة، أي العدد الأكبر من المواطنين، الأمر الذي يترتب عليه أيضًا غموض في طريقة المعالجة الخاصة به، وإذا أردنا التوضيح أكثر، نقول، لا يوجد اقتصاد في أي بلد في العالم بمنأى من حالة التضخم في الارتفاع والانخفاض تحت تأثير العوامل المتحكمة في صعود أو تراجع النشاط الاقتصادي، وكذلك بقدر ما يتعلق الأمر في الإجراءات التي تتولاها المؤسسات الحكومية أو المؤسسات الأخرى المعنية بمتابعة حركة الاقتصاد والتنمية عمومًا.
إن هناك جانبًا مهملًا بشكل واضح في كيفية معالجة التضخم من خلال مواقف وتصرفات المواطنين أنفسهم، فهم مسؤولون بدرجة أو بأخرى عن بروز حالات التضخم أو انخفاضه إلى جانب ما أشرنا إليه، وإذا كانت الأجهزة الحكومية والأجهزة الأخرى تضع مقاييس للحد من التضخم والسعي إلى إيجاد مقاربات تعيد التوازن إلى حركة الاقتصاد والتجارة عمومًا ومراقبة سير الأسعار والتصرف في ضوء معادلة العرض والطلب، فإن المواطن نفسه قادر على أن يتدخل لصالح الحد من التضخم وذلك من خلال ترشيد سلوكه الاقتصادي، وبالتالي يكون طرفًا في صياغة مقاربة مع ما يدخله من مرتبات أو أرباح أو مكافآت أو أي نوع من أنواع الريع.
وهكذا كلما كان الترشيد القاسم المشترك لسلوك الأفراد، كلما تحقق المزيد من التعادل البناء للحد من التضخم، وقياسًا على ذلك يستطيع المواطن في وضع جدول لاستهلاكاته مما يجعله مساهمًا فاعلًا في الآليات الخاصة به، وهناك أيضًا مسؤولية أخرى للمواطن في هذا الشأن تتعلق بتعامله الذكي مع ما يطرحه الإعلام من إعلانات لهذه البضاعة أو تلك، لتنظيم نزعة الاقتناء والامتلاك وتقنين استبدال الحاجات.
إن مقياس المواطن في الحد من التضخم يتعلق بسلوكه اليومي مع متطلباته الغذائية، ويرى أحد الاقتصاديين أن ضبط سلوك الفرد المواطن من أجل المساهمة في الحد من التضخم يكمن في الانتباه إلى مخلفاته المنزلية إذا كانت كثيرة أو قليلة، وبمعنى آخر أن ارتفاع حجم هذه المخلفات يشير إلى اتساع النزعة الاستهلاكية، كما أن المضاربات التي يعتمدها البعض للحصول على أرباح سريعة متجاوزين المعايير الأخلاقية في التعامل مع أسعار العملة الوطنية تضع الاقتصاد أمام تضارب المعايير وهذا التضارب يصبح ممولًا للتضخم.
على أي حال يمكن لوسائل الإعلام والنخب الثقافية والمراصد الاقتصادية أن تكون عنصر تعليم للمواطنين في التعامل مع التضخم بروح المسؤولية التضامنية للحفاظ على اقتصاد البلد أي بلد من التوترات الاقتصادية المفاجئة، وأخيرًا تؤدي العدالة التنموية دورًا مهمًّا في حماية الاقتصاد من التضخم، أو بالحد الأدنى تجعله (ورمًا حميدًا) لا يمثل أية خطورة كبيرة، وحينها تكون الغلبة هنا للاعتدال.

إلى الأعلى