الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي

النقد الثقافي

الطرب.. هجرة ليلية إلى السحر الحلال

مدخل
درج – ولا يزال – في المجتمع العماني القديم استخدام مصطلح (الرمسة)، وهو سلوك متصل بالسهر في فترة الليل، وتحديدا من بعد صلاة المغرب وحتى منتصف الليل، فما بين هذين التوقيتين يكمن وقت (الرمسة)، وهو لا يرتبط بنماذج بشرية معينة أو سلوك خاص، فربما يقتصر على التحلق جلوسا أو اتكاء على تبادل الأحاديث، سواء في داخل بطون البيوت أو خارجها، وهذا ينسحب على البيئات والجغرافيات المختلفة، مما جعل المصطلح في سياقه الاجتماعي يوحي بنشوء صلات تواصلية في الليل، يتبادل فيها المجتمعون الأحاديث والتسالي وقتل الوقت، تمهيدا لصلاة العشاء، معقوبة بالنوم المبكر.
ولكنه – من جانب آخر – هناك شريحة في المجتمع تستخدم المصطلح ذاته لغير ما سبق ذكره من مألوف السلوك الجمعي، الذي اختزلناه سابقا، وتختار هذه الشريحة مصطلحها للتعبير عن رغبة خاصة، لا يشترك المجتمع فيها، بل تقتصر عليهم فقط، وهم يعدون لها العدة مسبقا، ويتفقون على توقيت محدد، وهو (هجعة الناس)، حتى يتسنى لهم القيام بـ (رمستهم) الخاصة، وهي مختلفة تماما، لأن أحاديثها ومناخها وخاصة قصيدتها تمنحها ألقا خاصا، حتى باتت جزءا من شخصيتهم، التي لا تجد فردوسها الفرائحي إلا في الليل، حيث تنغمس الذوات (الرامسة) في فردوسها الخاص.

الليل والأطراف
هناك صلة وطيدة ومهمة بين ثلاثية (الليل، الأطراف، الرمسة)، والسبب يعود إلى كون (الرمسة) – قبل ستين عاما ويزيد – ليست مرغوبة في الأحياء السكنية، وما الأحياء السكنية تلك إلا بيوت متفرقة أحيانا أو متلاصقة في أحيان أخر، بحسب الجغرافيا المكانية، فالبيوت الجبلية تختلف عن البيوت الصحراوية أو الواحيّة، والنموذجان مختلفان عن البيوت الساحلية، سواء كانت مصنوعة من الطين أو السعف أو الحجارة أو الصاروج أو الخيم، ولهذا كان إبعاد مكان الرمسة مهم، منها لكي لا يسري صوت الغناء والطبول عبر الليل نحو البيوت الهاجعة في نوماتها، فضلا عن رغبة (الرمّيسة/الرامسين) في الخلوة الطقسية التي تتيح لهم تحقيق الشغف الذي تمتلىء به أجسادهم وأرواحهم، لتتدفق مع الليل في عمق الظلام حيوات أخرى، وتنبني عوالم جديدة..
يحقق الليل والأطراف مساحة طمأنينة، فهما يستقبلان الخارجين تحت جنح الفرح من بيوتهم نحو مكان متفق عليه مسبقا، وهناك تحضر القصيدة، وغالبا ما تكون (مقصب) ، وأحيانا تكون (ميدان)، لتبدأ المخيلة في نسج مفردات تشع بالغزل، وتتلألأ بالتحدي أحيانا، وتضج بالعتابات الحارة في أحايين أخرى، سواء كان محفوظا أو مبتكرا، وسواء كان مباشرا أو ضاجا بالتوريات والدلالات المفتوحة على التأويل.
على هذا، يمكن الجزم بأن عالم القصيدة الذي هو ركن أصيل في الفنون الشعبية العمانية في زمنها القديم، ليست مجرد عنصر إضافي، بل هي مكون رئيسي، فلا يكفي (اللال) وحده، إذ لا بد من (شَلّة) تمنحه جسر العبور للرد من الفريق الآخر، لصناعة حوارية ظاهرية ذات صيغة معنوية ودلالية مكتملة، تصلح أن يتناقلها الناس، وتكون وفقا للسياق المتعارف عليه، ولا تخرج من دائرتها الوزنية والإيقاعية، حتى لا يكون الشِّعْر (ساقطا) بحسب المصطلح النقدي الذي يتعامل مع عيوب القصيدة.

متلازمة الظلام
لا نقصد بالمصطلح هنا الاستعارة الطبية بالمعنى المَرَضيّ للفكرة، بل نقصد بها التكامل الجمالي، الذي يتخذ من الروح الإثارية جسرية نحو تحقيق طقس الاختلاف في معنى (الرمسة)، لتنشأ – من خلال ذلك- صلة كان لها في زمنها الماضي حظوة مهمة، واندفاعا مشبوبا بالرضاء، وإشباعا غائيا تصاعديا لما يمكن أن تحصد القصيدة العمانية والفنون الشعبية مساحاتها الشاسعة في الظلام.
هذه المتلازمة مهمة وضرورية ومرجعية لفهم الصلة بين العمانيين القدامى (رمّيسة وشعراء) من ناحية، والفنون التي انتموا إليها لظروف طربية أو جغرافية أو شعورية من ناحية ثانية، لأننا سنجد أن هناك حضور نهاري لكل ذلك، من خلال المناسبات الاجتماعية والدينية، ومن خلال الاحتفالات الخاصة التي كان يرغب فيها البعض من ذوي المقام في المكان، ولكن ثمة فرق جوهري، فما كان يحدث في الليل، من حيث جمال الطقس وخصوصية الاندماج والانسجام والانغماس، يفوق كثيرا ما كان يحصل في النهار، على الرغم من الفروقات التي تحقق حضورا مهما، مثل متابعي تلك الفنون (الحْياب، وهو حضور خليط من النساء والأطفال)، أو الحظوة الاجتماعية التي يحظى بها الشعراء على وجه الخصوص لدى الشرائح الاجتماعية، ولكن ذلك كله لا يعدل شيئا مع (الرمسة) التي (تنوس) وتتمايل مع الطبول والمضارب، سريانا في عالم الظلام الذي يمنح الطقس غاياته الكاملة، بين ما قبل منتصف الليل وقبيل بزوغ الفجر، ليعود كل إلى بيته وكأنّ شيئا لم يكن!

سَرْيِة المُهْوي
إذا كان الطرب، بإحالته الاجتماعية، يعني الاندماج مع الفنون الشعبية، وهي فنون مغناة، فإن الشاعر وضارب الطبل والمشتركين في أداء الفنون تلك هم (أصحاب هوى)، مفردهم (مُهْوي) وجمعهم (مْهوْيِين)؛ فمن واقع ذلك سنجد أن طقس (الطرب) لن يجعل من المنتمين إليه (طربانين /منتشين) بالمعنى الكامل إلا في الليل، حيث يكون لـ (السَّرْيِهْ) معناها الطقسي الكامل، الكي يبدأ منذ القرار ثم بالجهوزية ثم بتحقيق كليهما مُضيّا نحو عالم الطرب، والتي غالبا تنطلق منذ الليل، والعودة قبيل بزوغ الفجر.
هناك نوعان من (السٌّرْيِهْ)، أحدهما يكون في نطاق أطراف المكان المسكون بالناس، ويؤمّه أناس من المكان ذاته، وثانيهما يكون بالانتقال نحو أماكن سكنية أخرى، يفرق بين (السَّرْيِتين) أن التحضير للأولى يكون باتفاق مباشر، وربما في ليلة الاتفاق ذاتها، بينما الثانية تتم بـ (التسامع)، أي تناقل الأخبار، ويتم تحديد موعد لها، وتكون في الأطراف كذلك، ولكن بكمية عددية أكبر، وبمناخ طقسي أكثر تأثيرا، فكلما زاد العدد زادت النشوة، وكلما كان القمر بدرا كانت (الرمسة) ألطف وعصية على النسيان.
كانت السرية هي المفتاح الذي من بابه يتم الولوج نحو الذات المندمجة بالشبيه، والشبيه في حالة الفنون الشعبية هو قرين طقسي، يتحقق من خلال المشاركة مع ما ينتج عنه من وهج سيصعب على غير آلفيه ومرتاديه فهمه، لذلك لم تكن القصيدة – حينها – معبّرة عن الطقس، بقدر ما كانت معبّرة عن المخيلة، ولكنها جزء منه.

السحر الحلال
يمكن – في المجتمع العماني القديم – ملاحظة أن السحر الحلال الذي يتجسد في الليل تتقاسمه عدة عناصر في الوقت ذاته، هي : الشعراء، الرّمّيسة، الطبول، القصائد، والتنغيم، هذه العناصر هي ما يصّعّد نحو معارج الشغف والاندماج، ليحقق للجسد والمخيلة والصوت نشوات عارمة عصية على التحليل المنطقي، ولكنها قريبة من الفهم الشعوري، من واقع انسجام متكامل يتحقق عبر تلك الفنون..
القصيدة هنا هي الجذر، لذلك يمكن لقصيدة الفن الشعبي أن تحضر داخل الطقس وخارجه، ففي الداخل هي أحد العناصر المعينة على تحقيق الطقس أقصى ذرواته، وخارجه هي الحكمة والتأمل والنغم الإيقاعي المنسجم مع الوزن الشعري للفن الذي تنتمي إليه، وإذا تم إلقاؤها بطريقة درامية مصحوبة بتحقيق البعد النفسي صوتيا، فهي المحظية بالخلود، والمحيلة إلى فنها.

خاتمة
نظن أن فهم الثقافة الجمعية العمانية من زاوية القصيدة الشعبية، مهم وضروري، مع عدم إغفال مناخات أخرى في المكان، ولكننا نحاول مقاربة قصاصات ذاكرية مختلفة عبر الزمن، لنفهم تفاصيل أصغر من خلال ما توحي به الإشارات الأكبر، والقصيدة واحدة من هذه الإشارات التي مرّت من دون أن يلتفت أحد إلى زواياها التكوينية في المكان، والتأسيسية في العمق..

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى