الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الحداثة تكمن في عمق النص وتأثيره المعلن والمبطن في الذائقة وفي الحدس

الحداثة تكمن في عمق النص وتأثيره المعلن والمبطن في الذائقة وفي الحدس

الشاعر التونسي كمال بوعجيلة: وحده الشاعر يعرف سرّ العذاب الإنساني وعمق مأساة الكائن البشري

هيمنة السياسي على المثقف هي إحدى علامات الانحطاط والتدهور الرهيب في مجتمعاتنا

الأصالة هي التجذر والانتماء لكفاح الإنسانية لأجل حياةٍ أفضل وحرية أسمى وتفاعل أرقى مع الطبيعة

أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا :
في حديث أقرب للبوح قال الشاعر التونسي كمال بوعجيلة: الكتابة أتيتها حدثا وحادثا.. أتيتها للبوح.. كنت أريد أن أروي أوجاعي المتراكمة كي لا أتحمل عبء ما عشته وحدي هناك شيء من الأنانية الجميلة …. الشاعر كمال بوعجيلة، مواليد 1957 المقيم منذ 1998 بعاصمة النور باريس، يعد من أبرز الشعراء التونسيين من جيل الثمانينات، تتميّز قصائده بشيء من الشجن ضمن ضرب من اقتناص التفاصيل والاهتمام باليومي وبما هو هامشي حيث يكون النص الشعري محتفيا بلغته الباذخة بعيدا عن التكلّف والافتعال والنظم الركيك.. صدر له ست مجموعات شعرية: “ترى ما رأيت”، و “حبيبتي تتركني لليل”، و “هل أفسر دهشتي”، و “هذيان تحت سماء باردة”، و “أغنيات المسافر”، و”أزهار الحزن القديم “. ترجمت اعماله إلى الفرنسية والايطالية والاسبانية.

* هل يمكن العودة إلى البدايات. ومن هم الشعراء الذين كانوا مصدر إلهامك …؟

البدايات تحمل دائماً مفاجأتها، كان اللقاء بالشعر مبكراً جداً… في سنوات الصبا الأولى كنت استمع لقصائد ترددها أمي وخالتي، ” وهما شاعرتان باللهجة التونسية”، ويشاركهما بعض شعراء الجهة في الجنوب التونسي… في مسامرات ليلية قبل أن تقتحم التلفزة البيوت. ولا زال صدى تلك الليالي يتردد في ذاكرتي وأنا أدخل العشرية السادسة …
ثم كانت الصدمة الاولى مع الشعر الفصيح حين قرأت صدفةً المعلقات، وفي سن مبكرة أيضاً، ولا أدري إلى الآن لماذا استحوذت على مشاعري معلقة طرفة ابن العبد وقد حفظتها عن ظهر قلب، ثم انتبهت وأنا أتقدم في السن إلى أبو نواس والمتنبي في مجمل ما قرأت من الشعراء في كل العصور، بعد ذلك بسنوات اكتشفت الشعر العربي الحديث وشعراء الغرب -وهم عموماً معروفون في كلا الضفتين.
ولا أخفيك أني كنت مشتتاً في مطلع الشباب بين الشعر والمسرح والسينما والرسم، وبدأت أتحسس الطريق في كتابة أولى كانت محاكاة لنصوص سابقة مع رغبةٍ جامحة في أن أكتب تجربتي في الحياة سياني أكان شعراً أم نثراً وغلب الشعر في الأخير.

*ـ تؤكد في أكثر من مناسبة أنك لا تتصور الكتابة إلا كمشروع متكامل، وما النصوص إلا محطات داخل ذاك المشروع…؟
- هذه قناعتي منذ سنوات، البداية عادةً ما تكون في شكل حدث أو حادثٍ ما، وحين تستمر تجربة الكتابة يصبح الأمر أكثر جديةً وعمقاً، ومن ثمة يبدأ المشروع، لذلك قلت النصوص والقصائد هي محطاتٌ يتم من خلالها وعبرها تأسيس المشروع.
لا أتصور كتابةً دون وازع فكري ونفسي وقناعة شخصية لذلك ألح دائماً على أن الكتابة شعراً أو نثرا ليست مجرد بث خواطر ومشاعر وأحاسيس وإنما هي تأصيلٌ لفكرٍ ورؤيةٍ تجاه الوجود والكون والحياة، الارادة لدي موجودةٌ لصياغة هذا المشروع هل أوفق في ذلك هذا متروكٌ للتاريخ والبحث، أنا ما زلت غير مقتنع بما يكفي فيما كتبت.

* هناك الكثير من الشجن في قصائدك وتركيز واضح على اقتناص التفاصيل والاهتمام باليومي وبما هو هامشي. والسؤال ما مدى انعكاس الايدولوجيا على شعرك. وما هو مفهومك للالتزام…؟
قلت إن الكتابة تأصيلٌ لفكرٍ ورؤيةٍ، إذاً لا مفر من التفاصيل، والهامشي هو المتخفي والمنبوذ والمطارد أيضا من طرف القوى المهيمنة في المجتمع.وما الكتابة إن لم تكن جزءًا من دفاعات هذا الهامش عن نفسه، ومن مهاجمة المعتدين بغير حق على الحياة والحرية والمساواة في مفهومها الشمولي والمطلق. كل النصوص المؤسسة حسب رأيي تنحو هذا المنحى.
الالتزام ليس التحنط في قوالب ايديولوجية جاهزة ومعتمة… ورفع شعارات تتكئ على مفاهيم جامدةٍ ممجوجةٍ “هذه قد تصلح في التجمعات الجماهيرية والنقابية”. أما الكتابة فهي الحفر في التفاصيل، في اليومي، في المهمش لتبين الاختلالات والانحرافات التي تصيب الحياة في جوهرها، ومكاشفة الذات والاخر في لحظة صدقٍ نادرة لا تتوفر إلا للمواهب الكبيرة والإرادات الفذة. أما الانبهار بما يشبه الموضة والسعي وراء ما يعرف “بالجمهور” وتبني المواقف العامة والهلامية التي لا تمس جرح الواقع ولا تنكؤه، فلا علاقة لها بالالتزام، أتصور فعلاً أن الالتزام في الكتابة هو الالتزام بما يمليه العقل عند مفارق الطرق والتقاطعات المصيرية في تاريخ البشر. وهذا لا يمكن تفكيكه إلا بالغوص في التفاصيل الكامنة في عمق المجتمعات.

*قضيت ما يزيد عن 20 عاما في باريس. فكيف انعكست الغربة على قصيدتك إن في المضمون أو الشكل…؟
أرى صعوبة كبيرة في الإجابة بوضوح عما عكسته هذه السنين على نصي الذي اكتب وكتبته في أوروبا، سافرت في سن متقدم نسبياً ” 40 سنة ” وانت تعرف نحن نكتب من خلال تجربتنا الذاتية ومن مخزون ثقافي معرفي وتخييلي لذلك لا أتصور اننا ننتبه إلى المتغيرات التي تحدث على النص من خلال نظرة متسرعة وعابرة ” وخاصةً بالنسبة للكاتب ” وإن كانت كبيرة وفاعلة، التطور يحدث لا محالة، وتأثير سنوات الهجرة واقعٌ لكن الصعوبة هي في وضع الإصبع والتفطن إلى ما حدث. ربما النقد ومقارنة النصوص لبعضها والدراسة المتأنية تستطيع تفكيك هذه المعطيات فلننتظر.

*يعيش الكثير من الشعراء، بعد عودتهم من الخارج، حالة من الغربة داخل أوطانهم، سواء على الصعيد الاجتماعي والثقافي وأيضاً الفكري والإنساني. هل تعيش هذه الحالة. ومتى يشعر الشاعر بغربة في وطنه .. وكيف تكون علاقته مع هذا الوطن عندها…؟
ربما عشتها قبل أن أغادر، وقد تكون غربةً أقصى وأشد لأنها تراكمت عبر السنين والوقائع. مجتمعاتنا تعيش ركوداً قاتلاً منذ ما يزيد عن عشرة قرون، فكيف لا يشعر من يحاول نبش الرماد فيها بالغربة، وربما هذه الغربة هي ما يدفعنا إلى الرحيل ليس بحثاً عن الرفاهية والعيش السهل كما يبدو للكثيرين، وإنما لفتح آفاق أرحب وأجدى للكتابة والتفكير.
بعد العيش هناك والعودة ينفتح الجرح أكثر وتزداد الحساسية تجاه هذا الانغلاق والتحجر وتصبح العلاقة شبه مستحيلة مع المحيط وأعني هنا الناس أي المجتمع، لذلك ترى معي أن أغلب من هاجر من كتاب وشعراء وفنانين على اختلاف مواقعهم وتوجهاتهم تخيروا البقاء هناك فيما يشبه المنفى مفضلينه على أوطانهم الأصلية هذا يفهم في سياق ما يحدث من تحجيرٍ للفكر وتحنيط للعقل ومنع للبحث والاستقصاء، كل شيء جاهز منذ السلف وليس لنا إلا الاقتداء بهم، لا ترى كم هو مخيف هذا التشويه المبرمج للحياة.

*وكيف تعاملت مع إشكالية الأصالة والمعاصرة خلال تجربتك الشعرية…؟
الأصالة ليست الماضي وكليشيهاته المفرغة من أي معنى والمعاصرة ليست التقليد الأعمى والمبتور لكليشهات العصر، لذلك لا أرى أي تناقض بينهما، انهما معاً الجانب المضيء والانساني في تجارب كل الشعوب قاصيها ودانيها. الأصالة هي التجذر والانتماء لكفاح الانسانية الكبير والمتواصل لأجل حياةٍ أفضل وحرية أسمى وتفاعل أرقى مع الطبيعة والكائنات، والمعاصرة هي الاندماج العقلاني الواضح مع المنجزات والابتكارات التي تخدم الانسان وترقى به مادياً ومعنوياً. هكذا أفهم هذا الثنائي، ولا أستسيغ ما يروجه البعض من تناقض وصراعٍ وفوضى بين هذين المفهومين في حين أن الصراع قائمٌ بين الإنساني واللاإنساني منذ القديم في كل المجتمعات والشعوب.

*رغم حديثك عن تمنع اللغة الرهيب وحتى جحودها أحيانا. إلا أنه يسجّل لك تمكنك من اللغة وتطويعها والعناية الخاصة التي توليها للغة ومفرداتها في قصائدك. وكأن اللغة غاية بحد ذاتها…؟
- الشعر -كما يقال- مبثوث في الحياة، جزء لا يتجزأ منها، نعيشه ونتنفسه، هذا صحيح، لكن القصيدة هي اللغة في جوهرها لذلك لا سبيل إليها إلا من خلال اللغة، وهنا يكمن الوجع إن شئت، أنا في حالة صراع دائم مع تعنت اللغة وهذا التوق إلى المعادلة الصعبة بين أن يكون الشعر شعراً وأن تظل اللغة لغةً، الشعر دهشة ورؤية مغايرة ورؤيا واكتشاف … اللغة مفردات مستهلكة أنهكها الاستعمال اليومي… وارهقتها المعاني والتبليغ والبلاغة… والارتقاء باللغة لتحويلها إلى شعر أمرٌ متعبٌ حقاً فيزيولوجياً ونفسياً، لذلك شغلي هو اللغة وليست الأوزان ولا الإيقاع ولا المعنى ” المعاني صدأت تقريباً.

*أيضا يمزج الشاعر كمال بوعجيلة في أشعاره بين الوزن واللاوزن على هواه. يقول إنه حين تقصد تصحيح الوزن في مجموعته الشعرية الأولى، صارت نصوصه لا كما يريد. هل يمكن إيضاح هذه الحالة …؟
تقريباً لمحت للأمر في الاجابة السابقة، وما درست العروض وأعرف قواعده تفصيلياً، ولكني اكتب ولا أقوم بتمارين عروضية؛ شغلي الشاغل هو تحويل اللغة التي نعرف إلى لغة الدهشة والاكتشاف، وهذا لا يحدث إلا في الشعر، الأوزان والمعاني تثقل الشعر وتحمله ما لا يحتمل، أنظر مثلا إلى الشعر الجاهلي تركيبته كانت تحمل إيقاع الحياة وفيه من الدهشة والتساؤل الكثير كيف كان الشعر بتلك الفورة والتوهج أظن أن الشعراء لم يتسابقوا إلى مدارس العروض بل نهلوا من عين الحياة الدافقة هكذا كتبوا الشعر. إن التعامل الشفاف مع اللغة هو الذي يجعل الشعر شعراً وليس العروض.

*هل ينبغي لنا في الشعر أنْ نتعصَّبَ للوزن أو ضدَّهُ، للعمود أو ضدَّهُ، للنثر أو ضدَّهُ…؟
التعصب هو حالةٌ غير سوية ضد أو مع أي شيء، وهذا الأمر شغل النقاد والشعراء والمهتمين بقضايا الشعر وأنا أرى أنها معركةٌ مغلوطة وليست في محلها، نعود إذاً لحديثنا السابق، الكتابة هي مشروع متكامل فكيف نسمح لأنفسنا بقولبة مشروع كهذا وتقليصه إلى درجةٍ يصبح التنظير والتعصب لشكل ما من الكتابة أهم من الكتابة في حد ذاتها، وكيف عوض صراع فكري عميق حول الرؤى والتصورات والمواقف يصبح صراعاً حول القوالب والأشكال الجاهزة، يبدو لأنها إحدى انتكاسات وترديات الوضح الثقافي في مجتمعاتنا.

*بالتالي كيف تفهم الحداثة…؟
هناك خلطٌ كبير بين الحداثة والمعاصرة – فيما يكتب اليوم من نقدٌ- يبدو لي أن الحداثة – في الكتابة تحديداً- فهمت خطأً لدى الكثيرين، فما هو حديث لا يخص عصرنا هذا فحسب، بل هناك نصوصٌ و كتابات حديثة في كل العصور، هذا الذي خلد منها في الذاكرة الجماعية يمكن تصنيفها بالحديث “لأن الإشكال يكمن في التناول والرؤية والصياغة..إلخ ”
حسب رأيي ودائماً فيما يخص الكتابة، الحديث لا يبلى مع الزمن ولا يفقد بريقه ولمعانه، أما المعاصر فقد يذبل ويتلاشى مع مرور الزمن. ما يهدد الحداثة هو الفكر في تجلياته العميقة وليس الاستعمال الظاهري لمصطلحات الحداثة والتزين بالبهرج الخارجي، الحداثة تكمن في عمق النص وتأثيره المعلن والمبطن في الذائقة وفي الحدس.

*على صعيد الشكل. ما مدى صحة القول إن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر في تونس…؟
ليست هناك معركة، ولم يحسم شيء، التاريخ هو الذي يغربل وينتقي. كما قلت سابقاً النص هو كل متكاملٌ يحمل رؤيةً ورؤيا ويسير على نسق معين يحدده الفكر والمخيلة، ولن يشفع له شكله ولا مضمونة إن كان مفتعلاً اعتباطياً ويغلب عليه التردد والتشويش من خلال السعي وراء التقليعات والموضة، ما رأيك في شعراء كتبوا بيانات وخططوا برامج واعتلوا منابر أكثر مما كتبوا قصائد ونصوصا.

*كيف تختار اسم القصيدة وهل تأتي قبل أو أثناء الكتابة …؟
العناوين تختلف من حالةٍ إلى أخرى، أحياناً تقفز قبل بداية القصيدة، أحياناً خلال كتابتها، واحياناً بعد إتمامها، وقد تتغير بين حين وآخر، ربما حسب المزاج ومسيرة النص.

*غالبا ما ترفض تفسير بعض معاني قصائدك، التي لا تخلو من رمزية شديدة. ويرى أحد الشعراء أن النص ملك للقارئ شريطة أن يكون القارئ بمستوى النص، فما هو المعيار للقارئ الجيد الذي يرتقي إلى مستوى النص عندك…؟
كنت أقول دائماً لا اكتب القصيدة ثم أدافع عنها، فحين تغادرني تصبح مشاعاً بين القراء، وهم منتشرون في الأرض ولا يمكن أن اتبعها حيث ما حلت، فلها وحدها أن تقنع أو لا تقنع. يمكن الحديث عن الكتابة، عن الشعر، عن الفنون والإدلاء بالرأي. ما يستهجن أحيانا هو انزعاج البعض من النقد ودفاعهم بشراسة عن قصائدهم ونصوصهم. لا أتصور القارئ أقل قيمةً من الكاتب أو أن عليه أن يسترشد به، قد يكون القارئ هو الباعث الحقيقي للنص، وهو الذي ينتبه إلى ما فيه ما عليه حتى قبل الكاتب نفسه، القارئ الجيد هو الذي يحاور النص وهو يقرأه.

*الحزن مبثوث بين ثنايا قصائدك .. بشكل يجعلها اقرب الى التشاؤم .. فهل أنت إنسان متشائم فعلا أم حزين …؟
الحزن لا يخون، الحزن مبثوث في الحياة، في تفاصيلها، في يومياتنا، وأنا اكتب في الحياة ومنها وإليها، لابد إذاً من ذلك، والفرح أيضا علامةٌ فارقة في الحياة غير أنه يخون والخيانة تأتي عادةً ممن نحب. إن أردت إجابةً، أنا لست متشائماً البتة، لأمرٍ بسيط، انني رغم اليتم المبكر والتشرد العاطفي أيام طفولتي والتيه المتواصل وقسوة الحياة في أغلب مراحلها اعتبر واعترف أنني عشتها بامتلاء وصفاء وعنفٍ، وأحبها كسمكةٍ أعرف أنها لن تعثر في شباكي، وأنا أريدها هكذا مغريةً وحرةً واستثنائية، لا سهلة المراس وخنوعة.
لنعد الآن الى السؤال: هل التشاؤم حالة الشعر ام الشاعر؟! ام حالة الانسان عموما وخاصة انسان هذا العصر؟ ألا ترى معي ما يحدث، إن الصورة التي وحدت العالم وجعلته يعيش في نفس الوتيرة تقريبا… فالأحداث التي نعيشها جميعا في نفس اللحظة تقريبا جعلت المشهد المأسوي (حروب، مجاعات، كوارث طبيعية…) يسيطر على ذاكرة الانسان ومخيلته، وبالتالي أصبحنا نعيش حالة إحباط وقنوط ويأس من كل المشاريع… انها الحالة التي تحدثت عنها في سؤالك… فهل يُعاب على النص ان يحمل بعض خلجات الواقع وان كان في مرارة العلقم؟!!…

*أنت شاعر يجمع بين الفلسفة والشعر. كيف تنظر لهذه المسألة…؟
رجعت إلى مدارج الجامعة عند قدومي إلى باريس، والتحقت بقسم الفلسفة، والاستفادة من ذلك كانت خارقة فتحت أمامي آفاقا شاسعةً للمعرفة. الفلاسفة بدأوا شعراء، وجذور الفلسفة والشعر متشابكة، انطلقا من نفس الموقع، فكان الشعراء الفلاسفة أو الفلاسفة الشعراء، ولم ينقطع بينهما حبل التواصل حتى عصرنا هذا، ولعل الغوص في هذه المسألة يطول، المهم أن نعرف أن لا شعر دون فلسفة وأؤكد لك أن أهم تطور حصل لي في التعامل مع نصي خاصةً ومع النصوص عموماً هو بعد أن قضيت سنواتي الست في الدراسة. وأعرف الآن أني كدت أخسر الكثير لو لم أجاوز واقتحم هذه المغامرة رغم تقدمي في السن نسبياً.

*ما هو شعور الشاعر المبدع وهو يقرأ يوميا عن ” موت الشعر” وازدهار الرواية والسرد …؟
بشر المتفائلون جداً بموت الشعر منذ ثمانينات القرن الماضي تقريباً. ولعل نص ” أوكتافيو باث ” في دفاعه عن الشعر يغني عن كل تعليق. وللمبشرين بهذا الموت أقول ليس هناك حربٌ ضروس بين الرواية والشعر كي يقتل أحدهما الآخر. ربما تكون الرواية في عصرنا أكثر حضورا وانتشاراً لعوامل يطول شرحها، وقد تكون الأذن أكثر ميلاً للشعر من العين، لذلك يطلب الشعر مسموعاً وذلك ما لا يمكن أن يحصل مع الرواية، ولا تنسى كم في الرواية من شعر. وحسب رأيي الحديث عن موت الشعر هو من باب المغالاة والمبالغة.

* في ذات السياق استوقفني ربط احد النقاد تقدم السرد في هذه المرحلة بحالة الهزيمة التي تعيشها الأمة ..ورأى ان الشعر ارتبط دائما بالانتصار .. بينما ارتبط السرد بالهزيمة .. ماقولك..؟
ربما، وكما قلت لك فالشعر يسمع لذلك قد تكون له علاقة بالانتصارات والمناسبات الصاخبة ولكن أغلب شعرنا كتب في زمان الهزائم أيضاً، ونشيد في مناسبات كارثية، حقيقةً لا أدري، علينا ألا نتسرع في إطلاق الأحكام.

*من المعروف انك ترفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي، وسؤالي كيف تنظر الى علاقة المثقف بالسلطة السياسية .. وما المطلوب من المثقف العربي في هذه المرحلة بالذات…؟
هيمنة السياسي على المثقف هي إحدى علامات الانحطاط والتدهور الرهيب في مجتمعاتنا، وإحدى علامتها الاخرى هي خضوع وتذيل المثقف للسلطة السياسية، لذلك ظل الأداء السياسي منحطا وبقي العمل الثقافي مهزوزاً ودون عمقٍ، لن تنهض هذه المجتمعات ما لم يأخذ المثقف دوره الريادي في بلورة الفكر الحر الطامح إلى فتح أفاق المعرفة والبحث وعدم التقيد بتقاليد بالية تفرضها قوى الجذب إلى الخلف والتحنط في رؤيةٍ ماضويةٍ قاتمة. عموماً على المثقف أن يتمرد ويخرج من جبة السياسي التي كبلته ومنعته من إبداع مستقبلٍ واعدٍ على كل المستويات.

إلى الأعلى