الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في لوحة المطار “تأملات” للفنانة التشكيلية عالية الفارسية

قراءة في لوحة المطار “تأملات” للفنانة التشكيلية عالية الفارسية

حكاية تشكلت وتتشكل ضمن إطار اللوحة، ريشة الفنانة انطلقت من صراع الملامح الماثلة بألونها المنبثقة من العمق الثقافي للمجتمع، عندما يعي الآخر، ذلك الآخر المختلف، المعنى ضمن إطار الهوية، يسدل الستار عن تمظهرات ثقافية أحاول أن أستوعبها وأحللها من خلال علاقة العناصر المتمثلة في الأيدي والعيون وتشكلات الوجوه.
في اللوحة “تأملات” للفنانة التشكيلية عالية الفارسية تتشكل ثلاث علاقات اجتماعية، اثنتان منها واضحتا الملامح مختلفتان في التركيبة الثقافية، والثالثة خفية .. العلاقة الأولى على يسار اللوحة بالنسبة للمشاهد الخارجي، إذ الرجل والمرأة والبنت الصغيرة؛ هناك علاقة اجتماعية مرتبكة تظهر في اللوحة، تنم عن ارتباك وخوف البنت الصغيرة وهي تنظر إلى المرأة، قد تكون هذه المرأة الأخت الكبرى أو الأم التي لم تلق بالا على الصغيرة التي لم تلتفت للفنان والمشاهد، ولم تظهر اهتمامها ونظراتها إلا لذلك القلق الذي يضمر نسقا ثقافيا متجذرا في المجتمع.. والمرأة التي لا تنظر إلى الصغيرة ولا تهتم بها، إذ أن حالة هروب الصغيرة بيديها ونظراتها ولم تلق الاهتمام من المرأة التي هي الأخرى كانت هاربة في الأصل بجوارحها نحو ذلك الرجل الذي قد يكون الأخ أو الزوج ، وهنا تظهر ملامح المجتمع الرجولي، إذ تمثل المرأة هنا صورة الرجل الذي يعكس كل سلوك اجتماعي ذكوري في المرأة وليست الأنثى، بحكم أن الأنوثة تتشكل في معزل عن صورة الرجل. في المرأة.
العلاقة الثانية تمثلها العائلة على يمين اللوحة بالنسبة للمشاهد الخارجي المكونة من الرجل والطفلة والمرأة الممسكة بيد الطفلة، هنا تتضح ملامح التآلف الاجتماعي والاهتمام بالعائلة المنعكس على الطفلة من خلال الدفء الذي وجدته ، سواء الدفء العائلة والعلاقة الحميمة، أو الدفء من خلال (الجاكيت) الذي لبسته والذي يعكس حالة الجو الباردة الشتوية، بعكس البنت الصغيرة في العائلة الأولى والمتمثلة في أقصى يسار الصورة ، التي لم تجد الدفء بنوعيه، وهنا صورة مفارقة لكلتا العائلتين.
العلاقة الثالثة تمثّلت في ثلاث شخصيات في وسط اللوحة، تمثلان مرحلة الشباب وتبعاته، إذ توجد بنتان وشاب، وهي تمثل علاقة الحبّ وأحلام الشباب قبل الزواج، وقد تمثلت في الشاب والبنت اللذين اختفت يديهما من اللوحة في ارتباط خفيّ حرمته أعراف وتقاليد المجتمع؛ كل هذا يفتح باباً للبحث حول النسق الاجتماعي ومحرماته منذ البدء في تشكلّ الأعراف الاجتماعية، لتظهر بعدها مفاهيم ومصطلحات الخطيئة التي ارتبطت بالأنثى في المجتمع، وغفران الخطيئة .. لذلك نلاحظ الفرق بين العلاقتين السابقتين وهذه العلاقة بأنها أحيانا تشكل نواة عرف الزواج، وأحياناً تكون خارج المنظومة الاجتماعية لتمارس في الخفاء، في غياب سياط العرف والرقابة الاجتماعيتين.. انتهاء هذه العلاقة الثالثة إما أن تكون مثل العلاقة الأولى أو الثانية، أو أنها تتلاشى وتغيب لتبقى الأنثى (المرأة) وحيدة تراقب ما يحدث مثل تلك المرأة في أقصى يمين اللوحة حسب المشاهد لها، إنها تراقب ما يحدث من تفاعلات، فقد تكون هذه المرأة (الأنثى) إحدى الإناث الخمس في اللوحة، إنها تراقب الزمن، وتشكلاته وتفاعلاته منذ الطفولة ومرورا بالصبا حتى الكهولة؛ كل هذا العطاء من قِبل المرأة أمام رغبات الرجل تجسده هذه اللوحة، لنجد ثلاثة رجال مقابل ست نساء أو إناث.
اللوحة تبعث رسالة اجتماعية في تشكّل مفاهيم ترجع بنا إلى النسق الأول، ذلك النسق الثقافي المتشكّل منذ آلاف السنوات، وإلى أن وصل إلى هذه المرحلة .. في هذه اللوحة وجد الخوف، والسلطة، والحبّ، والطمأنينة، والتبعية، والمراقبة المنبثق منذ النشأة الأولى.
الزمن حاضر من خلال المراحل العمرية في اللوحة، والجغرافيا حاضرة من خلال تشكلات الملابس الذكورية والأنثوية، وهنا فإن اللوحة رسمت هوية المكان من خلال الملابس ليس بصفتها الرسمية بل الاجتماعية المتجذرة في عمق الوجدان الاجتماعي والفردي للإنسان في المكان، لذلك فإن عناصر تمثّل الهوية الرسمية غائبة مثل الخنجر.. فاللوحة لم تتكلم عن الهوية بمفهومها الرسمية ليبقى التركيز على الإنسان في علاقاته الوجدانية وتشكّل العلاقات في المكان، ثقافة المكان منذ البدء.

فهد الحجري

إلى الأعلى