الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مـن ينابيـع القـرآن

مـن ينابيـع القـرآن

{وإن للـذين ظـلمـوا عـذابا دون ذلك ولـكـن أكـثرهـم لا يعـلـمـون}
الحمد لله رب العـالمـين ، والصلاة والسلام عـلى الصادق الأمـين رسـول الله سـيـد المـرسـلين ، وعـلى آله وأصاحـبه الغـر المـيامـين والـقـادة المهـتـدين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبـعـد :
فـيـقـول تعالى : { يـوم لا يـغـني عـنهـم كـيـدهـم شـيئا ولاهـم ينصـرون } ، لا ينـفـعهـم كـيـدهـم شـيئا، ولا ينـصرهـم ناصر إذا نـزل بهـم العـذاب ، لأن الله تعالى يجـير ولا يجـار عـليه ، كـما وصـف نـفـسه بـقـوله : { وهـو يجـير ولا يجـار عـليه } (سـورة المؤمنـون ـ 88)، فالله تعالى يـمـنـع مـن قـصـده غـير الله بسـوء أو شــر، مـن أنـس أو جـن أو عـقـرب أو ثـعـبان أو غـير ذلك ، ولـكـن إذا جـاء البـلاء مـن الله تعالى ، فإنه لا يسـتطـيع أحـد ان ينقـذه مـنه ، ولهـذا قال الله تعالى : { ولا هـم ينـصـرون } ، لا تأتيـهـم النصـرة لا مـن المـلائكـة ولا مـن الجـن ولا مـن الإنـس ، ولا مـن الآلـهة التي يـعـبـدونها مـن دون الله ، ويـزعـمـون أنها تقـربهـم إلى الله زلـفى.
قال الله تعالى : { وإن للـذين ظـلمـوا عـذابا دون ذلك ولـكـن أكـثرهـم لا يعـلـمـون } سـورة الطـور 47، ذلك لأن المـراد بالـيـوم الـذي يـصـعـقـون فـيه ، هـو يـوم المـوت الـذي يـنقـلـبـون فـيه رأسـا عـلى عـقـب ، مـن تمـتـع كامـل في الـدنيا إلى عـذاب ألـيـم يـوم الـقـيامة ، والـذي يـبـدأ مـن الـقـبر ، (والـقـبر روضـة مـن رياض الجـنـة أو حـفــرة مـن حـفـر النار)، وهـذا هـو الصـعـق الفـردي أو الجـمـاعـي.
أما الصعــق الـفـردي فـعـنـد وفاء كل واحـد أجـله ، و (مـن مـات فـقـد قامت قـيامته) ، وأما الجـماعـي فـعـنـد قـيام الساعـة العـامـة يـوم يـنـفـخ في الصـور الـنـفـخـة الثانية ، قال تعالى : { ونفـخ في الصـور فـصـعــق مـن في السـماوات ومـن في الأرض إلا مـن شـاء الله ثم نفـخ فـيه أخـرى فإذا هـم قـيـام ينظـرون } (سـورة الـزمـر ـ 68).
إذن: لما كان المـراد بهـذا الـيـوم يـوم لـقاء الله، والانـتقـال مـن هـذه الحـياة الـدنيا الفانية التي هي دار عـمـل، إلى الـدار الآخـرة الباقـية التي هي دار الجـزاء، قال بـعـد ذلك : { وإن للـذين ظـلـموا عــذابا دون ذلك } بـشـر الله النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بأن لهـؤلاء عـذابا أعــده لـهـم بـعـد العـذاب الـذي نـالهـم في الـدنيا ، كـذا شـأن الـظـلمة كلهـم يـنـزل عـليه العـذاب في الـدنيا، ثـم يـتبعـهـم العـذاب الألـيـم في الآخـرة، كـما قال الله تعالى : {ولـنـذيقـنهـم مـن العـذاب الأدنى دون العـذاب الأكـبر لعـلهـم يـرجـعـون } (سـورة السـجـدة ـ 21)، وعـذاب الـدنـيا هـو العـذاب الأدنى، يـصـيب الله تعالى به العـبـاد في الـدنيا لعـلهـم يـتـوبـون ويـرجـعـون ، كـطـوفان قـوم نـوح ، وريــح عـاد، وصـيحـة ثـمـود، وغـرق فـرعـون وقـومه، وهـو أقـل مـن عـذاب جهـنـم، ولكـن أكـثر الناس لا يـعـقـلـون ولا يعـلمـون ولا يـتـفـكـرون0
قال الله تعالى:{ واصـبر لحـكـم ربـك فإنـك بأعـينـنا وسـبح بحـمد ربـك حـين تـقـوم } (سـورة الطـور ـ 48)، اصـبر لحـكـم ربـك ، ولـو آلـمـك وآذاك بعـض ما يـقـوله الكـفـرة مـن السـب والطـعـن والشـتـم ، فـيـك وفي أهـلك وأصحـابـك ، فإن لله حـكـمة بالغـة في ذلك ، وقـد يـقـلـق البشـر ويـقـولـون : لـماذا لـم ينـزل الله العـذاب بأولـئـك الظـلمـة ولـم يسـتأصـل شـأفـتهـم وريـح الناس مـن بـلائهـم ؟، ولـماذا أطـال أعـمارهـم وأمـدهـم بالمال والسـلطان ؟ ، ولـماذا سـلـطـهـم عـلى المـؤمـنين ؟، ولكـن لنعـلم أن الأمـر كله لله، فـله الخـلـق والأمـر فاصـبر للـذي كـلـفـت به ونـالـك منه تعـب ونصـب ، فـفـيه الخـير الكـثير ، فإذا أصـبت بما أصـبت في سـبيـل الـدعـوة فـهـذا حـكـم الله ، وإذا أطـال الله في أعـمار مـن أراد مـن الكـفـرة ، فـذلك حـكـم الله ، وإذا أمـدهـم بالمال والبـنين والحـفـدة ، ورزقـهـم مـن الطـيبات ، فـذلك حـكـم الله ، وإذا أصـيـب المـؤمـنـون بما أصـيبـوا به وأهـينـوا فـذلك حـكـم الله ، فـلا مـعـقـب لحـكمه لا راد لـقـضائـه.
فـهـذا النبي (صلى الله عـليه وسـلم) يـرى عـمـه حـمـزة سـيـد الشـهـداء ، مـقــولا يـوم أحـد ، وقـد بـقـر بطـنـه واسـتخـرجـت كـبـده وأمـعـاؤه ، فـتـألـم الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) تألـما شـديـدا لـتـلك المـثـلة الفـظـيعـة ، وكان أشـد الناس حـبـا لعـمه ، حـتى إنه لـم يحـتمـل رؤيـة وحـشي الـذي قـتـل عـمه لمـا جـاء مسـلـما ، وكان قـد أهـدر دمه يـوم فـتـح مـكـة المـكـرمة ، فـقال له الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(غـيـب وجهـك عـني وأرجـو أن لا أرى وجـهـك في المـدينة).
قال وحـشي : قـدمـت عـلى رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) ، فـلـم يـرعـه إلا بي قـائـما عـلى رأسـه : ( اشـهـد بـشـهادة الحـق ) ، فـلما رآني قال : ( وحـشي) قـلـت : نعـم يا رسـول الله قال : ( اقـعـد فحـدثـني كـيـف قـتـلـت حـمـزة ؟ ) ، قال : فـحـدثـته كما حـدثـتـكـما ، فـلما فـرغـت مـن حـديثي قال : ( ويـحـك غـيـب عـني وجـهـك فـلا أريـنـك ) قال وحـشي : فـكـنـت أتنـكـب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) حـيث كان ، لـئـلا يـراني حـتى قـبضـه الله 0
( سـيرة ابن هـشام : باب وحشي يحـدث الـرسـول بـقـتله حـمـزة جـ4 ، ص 20) 0
ومنـظـر مقـتـل حـمـزة رضي الله عـنه ، منـظـر مـؤلـم جـدا ، ولـكـن النبي (صلى الله عـليه وسـلم) عـفا عـن وحـشي لأنه أسـلم ، و ( الإسـلام يجـب ما قـبله )، إلا أنه لم يحـتـمـل رؤيـته فـلا يـقال في مـثـل هـذا المـقـام : لما ذا لم يـصـبر النبي (صلى الله عـليه وسـلم) ؟.
والجـواب : أن النـبي بشـر كسـائـر البـشـر، مـن حـيث إحـساسه وعـاطـفـته ، ولا سـيما وأنه كان وفـيا لعـمه، ومـقـدرا لجـهـاده ومـتأثـرا باسـتشـهاده خـصوصا عـلى تلك الصـورة الفـريـدة البـشـعـة، وناقـما مـن هـذا المـكـر الفـظـيـع الـذي مـكـر به ، فـلا غـرابة أن يـتأثـر النبي (صلى الله عـليه وسـلم) كل هـذا التأثـر، حـتى يـقـول لـقاتـل عـمه ما قال.
قال له : لـقـد أسـلـمـت وعـفـا الله عـنـك ، ولـكـن غـيب وجـهـك عـني ، ذلك لأن رؤيته له تـذكـره دائـما بحـادثـة قـتـل عـمه البـشـعـة ، وهـذا مـثال مـن أمـثـلة كـثـيرة تـبين لـنا معـنى قـوله تعالى : { واصبر لحـكـم ربـك } ثـم قال له : { فإنـك بأعـيـننا }، هـذه الكـلمة لم تـقـل لـرسـول ولا لـنبي قـبـلـه، هـذا وعــد له مـن الله بالحـفـظ والتأيـيـد ، والنصـر والظهـور، ولـو بـعــد حـين ، وعــده بأن دينه سـيـظـهـر ، وأن كلـمته سـتعـلـو، وأن الناس سيسـتجـيـبـون له ولـو أبــدوا الكـفـر في أول الـدعـوة ، فامـض في سـبـيـل ربـك ولا تهـتم لشـئ ، فأعـيـننا نـكلـؤوك ونـرعـاك.
هـذا وإن التعـبـير بأعـيـننا ليـدل عـلى النهـاية في التكـريـم ، ولا نـجـد عـبـارة تفـسـر لـنـا هـذا التعـبير بحـق ، وقـوله تعالى للنـبي (صلى الله عـليه وسـلم): { فإنـك بأعـيـننا } أعـظـم مـن قـوله لمـوسى عـليه السلام : { ولـتصـنـع عـلى عـيني } (سـورة طـه ـ 39) في مـعـرض المـنن التي ذكـره بها الله مـنـذ ولادته وإلقائه في اليـم إلى تـربية فـرعـون له في قـصـره ، وهـو الـذي كان يـقـتـل أبنـاء بني إسـرائيـل ، ويستحـيي نساءهـم، لأن الكهـان قالـوا له : إن زوال مـلكـك سـيكـون عـلى يـد ولــد مـن بني إسـرائـيـل، ولكـن الله تعالى أراد أن يمـكـر به مـكـرا شـديـدا ، فـيربى في قـصـره وبـيـده الـولـد الـذي سـيزول مـلكه عـلى يـديه ، حـتى لـقـد كان يناديه : يا ولــدي ، يا ولــدي ، لأن الله تعالى ألـقى عـليه محـبة مـنه.
فـقـوله تعـالى للنبي (صلى الله عـليه وسـلم): { فإنـك بأعـيننا } أبـلـغ مـن جهات كـثيرة منهـا ، أن الله تعالى قال في مـوسى ـ عـليه السـلام: { ولـتصـنـع عـلى عـيني } ، إذ وردت العـين بالمـفـرد ، وفي النبي (صلى الله عـليه وسـلم) وردت العـين بالجـمـع ، ثـم وردت الإضافة في مـوسى عـليه السـلام إلى يـاء المتكـلـم ، بينما في حـق النبي (صلى الله عـليه وسـلم) وردت بنـون الجـمـع والعـظـمـة، ثـم إن الله تعـالى عـلل صـبر النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بالفاء فـقال : { واصـبر لحـكـم ربـك فإنـك بأعـيننا } نتخـلى عـنـك لحـظـة وجـزءا من اللحظة.
قال الله تعالى:{ وسـبح بحـمـد ربـك حـين تـقـوم } فـسره البعـض بمعـنى : سـبح ربـك حـين تقـوم لـصـلاة الفـجـر، وقال البـعـض حـين تقـوم مـن نـوم القـيلـولة ، ولـكـن هـذه التفاسـير قاصـرة عـن أن تعـطي اللـفـظ حـقه ، والأصـل هـو التعـمـيـم فالمـراد هـو تسبيح الله تعالى في جـمـيـع الأوقات، في أي عـمـل تـريـد أن تـقـوم إليه.
قال الله تعـالى : { ومـن اللـيـل فـسبـحـه وإدبار النجـوم } (سـورة الطـور ـ 49)، سـبح ربـك حـين تـقـوم مـن نـومـك وقـت إدبار النجـوم ، وإدبارها يـكـون وقـت السـحـر، ولـوقـت السـحـر شـأن خاص ، ولـذلك خـصه الله تعالى بالـذكـر، كـما جـاء في قـوله تعالى : { كانـوا قـليـلا مـن اللـيـل ما يهـجـعـون ، وبالأسـحـار هـم يـستغـفـرون } (الـذاريات 17/18)، فـنـحـن نـرى النجـوم تـنـكسـف إذا غـطى عـليها ضـوء النهـار وذلك هـو إدبـارها 0
إن المـراد بهـذه الآيات حـث النبي (صلى الله عـليه وسـلم) عـلى تسبيح له تعالي كل وقـت مـن أوقات اللـيـل والنهـار، يعـني لـيكــن لسانـك رجـبـا بـذكـر الله، وهـذا ما يـتـفـق مـع قـوله تعالى : { واصـبر لحـكـم ربـك ، فإنـك بأعـيـننا }.
.. وللحـديث بقـية.

محمد ناصر الزيدي

إلى الأعلى