الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقياس التفاضل الإنساني

مقياس التفاضل الإنساني

أقر القرآن الكريم التفاوت والتمايز الإنساني، ليفتح المجال أمام الإنسانية لاكتساب المثل العليا والقيم الفضلى، والتنافس الشريف في تحقيق الخير والإصلاح في المجتمع، فإنه ليس من العدل – وهو القاعدة الأساسية التي تنطلق منها مبادئ المساواة – أن يتساوى المقصر والموفي، والمفسد والمصلح، والقائم بأمور الإنسانية والخانع عنها، إن هذا لهو الظلم الذي ينافي العدل في المساواة.
إن القرآن الكريم حين أعلن المساواة الإنسانية في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” “الحجرات: 13″؛ فإنه جعل مجالاً لتفاضل الإنسانية عندما قال بعد ذلك في الآية ذاتها: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.
والمراد بالأكرم: الأنفس والأشرف. والأتقى: الأفضل في التقوى؛ ففتح بذلك مجال التنافس والتفاضل في القيم العليا التي يستطيع الإنسان أن يحققها “وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ” “المطففين: 26″؛ أي الرغبة في التنافس إلى طاعة الله.
وهناك مجالات كثيرة ذكرها القرآن الكريم يتفاضل فيها الناس – لا نستطيع حصرها – وإنما نأتي ببعض منها:
1 ـ في مجال الطاعة والمعصية، قال تعالى: “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” “القلم: 35 ـ 36″.
2 ـ التفاوت في العلم، قال تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” “الزمر: 9″، وقال تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” “المجادلة: 11″.
3 ـ في الإيمان والصلاح، قال تعالى: ” أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ” “ص: 28″، وقال: “أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ” “السجدة: 18″.
4 ـ التفاوت في الرزق، قال تعالى: “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ” “النحل: 71″.
وإذا كان القرآن الكريم أقر التفاضل والتمايز بين الناس في هذه المجالات وغيرها، فإن ذلك لا يخل بمبادئ وأسس المساواة في الكيان الإنساني والتكريم الإلهي للإنسان والحقوق، فلا تمايز – مثلاً – بين العالم والجاهل في الحقوق الأساسية.
وإذا حصل انحراف من إنسان عن جادة الفطرة الإنسانية، فإنه لا يُحرَم من العدالة الإنسانية، وإن كان هو عند الله أحط من الحيوان، كما قال تعالى في وصف المشركين المعاندين: “أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ” “الأعراف: 179″؛ فالتفاضل بين الناس راجع إلى العمل الذي يقوم به الإنسان ونتيجة ذلك العمل.
والمعيار الحقيقي لهذه الأعمال هو التقوى، وعليه فمكانة الإنسان ودرجته تكون حسب عمله، ومقدار ما فيه من تقوى، يقول الله تعالى: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” “الزلزلة: 7 _ 8″ ويقول: “وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا” “الأنعام: 132، والأحقاف: 19″.

د. سعيد راشد الصوافي

إلى الأعلى