الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هموم صحفية

هموم صحفية

أحمد مصطفى

” مع الانتشار الهائل للإنترنت، خاصة الارتباط بها عبر الهواتف الذكية، اتسع نطاق ظاهرة “تمييع” الصحافة واعتبار كل من يملك هاتفا يتصل بالإنترنت صحفيا ينشر الأخبار والمعلومات. وتجاوزت الشبكة العنكبوتية الدولية، وأكثر مع انتشار ما تسمى مواقع التواصل، كونها وسيلة لتوصيل المنتج الصحفي من الناشر إلى الجمهور.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم الهلع من تطور التكنولوجيا وصناعة الروبوتات الذكية وتطوير برامج كمبيوترية قادرة على القيام بما يقوم به البشر، وخوف الملايين من فقدان وظائفهم التي يمكن أن يحل محلهم فيها الروبوتات والبرامج الذكية إلا أن هناك بعض المهن التي لا يمكن الاستغناء فيها عن الإنسان. ومع أن الأخبار تتوالى بأن الذكاء الصناعي قادر على الابداع والابتكار، ويغالي البعض أنه أكثر دقة في حساب المشاعر والعواطف من نفوس البشر، إلا أن شيئا لا يضاهي ابداع البشر الذي لا يقتصر فقط على مخزونهم التراكمي من المعرفة والذكريات والمشاعر والأحاسيس بل إن ما فيه من “نقائص” ليست في التكنولوجيا هو أساس المتعة لدى البشر الذين يتلقون ذلك الابداع. بالتأكيد ليس النشاط الابداعي وحده الذي ربما يصعب على الروبوتات الذكية والبرامج الكمبيوترية المتطورة أن تحل محل البشر فيه، بل هناك بالطبع مهن ووظائف ستظل تحتاج للبشر ليقوموا بها (وإن بمساعدة التكنولوجيا الجديدة). على أن نأخذ في الاعتبار أن تطوير الروبوتات الذكية والبرامج الكمبيوترية التي تفكر إنما يقوم بتصميمها بشر، وهم يضعون معايير عملها على أساس مخزونهم التراكمي من المعرفة وغيرها فتكون طريقة عملها ونتائج ذلك العمل انعكاسا لعقول ونفوس هؤلاء المصممين والمبرمجين والمصنعين من البشر.
هناك مثال يعرفه من تخضرم في مهنة الصحافة المطبوعة، بدءا من رص أحرف الرصاص إلى برامج النشر الحالية من آبل ماكنتوش. فقبل تطوير برامج الطباعة للصحف كمبيوتريا كانت الصفحات ترسم بالقلم الرصاص على ورق بذات الحجم ثم تلصق المواد المطبوعة يدويا حتى يكتمل “إخراج الصفحة” لتصور بعد ذلك على صفيحة من الزنك لتوضع تلك الصفائح على اسطوانات المطبعة. وكان يتم تحرير المواد باليد (قص ولزق) وبالتالي كان القارئ حين يطالع الصحيفة لا يجد خطوط صفحاتها حادة كما هو الحال مع انتاج الكمبيوتر، وكانت حركة يد المخرج والمنتج في “توضيب” الصفحة تترك أثرا تلمسه عين القارئ – وكان لذلك طابعا انسانيا لا يمكن لأي آلة أن توفره. وليس معنى ذلك أن التكنولوجيا لم تطور صناعة الصحف المطبوعة، ولا أنها خففت العبء كثيرا في انتاج وطبع الصحف في العقود الأخيرة، لكن تظل “النكهة” مختلفة وتسهل المقارنة بين “بشرية وآلية”.
ذكرت هذا المثال لأن الصحافة المطبوعة تعاني مشكلة حقيقية في ظل تطوير أدوات توصيل صحفية جديدة، ورغم أن الصحف الورقية تمكنت من تجاوز تطوير الإذاعة ثم التلفزيون إلا أن سطوة الانترنت وما توفره من وسائل نشر وبث سريع للمعلومات والأخبار تشكل تحديا يصعب على الطباعة مواجهته ـ خاصة وأن النشر الالكتروني هو طباعة أيضا (وإن حلت الشاشات محل الورق). ومع توفر الشاشات الصغيرة (للهواتف الذكية وأمثالها) وانتشارها السريع لم يعد المتلقي للخبر والمعلومة بحاجة للورق المطبوع. صحيح أن السوق ما زال متاحا أمام المطبوع، وما زال هناك من يشترون الصحف ويطالعونها، وبالتالي يظل سوق الاعلانات مركزا على الصحافة المطبوعة إلا أنه من الصعب الجزم إلى أي مدى سيستمر ذلك وكيف سيكون تطور الأوضاع. لكن الأهم، وبغض النظر عن قدرة الصحافة المطبوعة على تجاوز هذا التطور كما فعلت مع الإذاعة والتلفزيون أم لا، فهو أن مهنة الصحافة ذاتها تواجه تحديا أخطر بكثير من مسألة وسائل التوصيل ـ مطبوعة، مسموعة، مرئية، أو الكترونية ـ ويتعلق بجوهر الصحافة ودورها.
مع الانتشار الهائل للإنترنت، خاصة الارتباط بها عبر الهواتف الذكية، اتسع نطاق ظاهرة “تمييع” الصحافة واعتبار كل من يملك هاتف يتصل بالإنترنت صحفيا ينشر الأخبار والمعلومات. وتجاوزت الشبكة العنكبوتية الدولية، وأكثر مع انتشار ما تسمى مواقع التواصل، كونها وسيلة لتوصيل المنتج الصحفي من الناشر إلى الجمهور. ونشير هنا إلى أن ذلك التطور سبقه تطور آخر، وإن لم يكن بذات القدر من الخطر، هو انتشار لقب “إعلامي” الذي أطلق على من يظهرون على شاشات التلفزيونات ولا يقتصر عملهم على التقديم وإدارة الحوارات بل تجاوز إلى الوعظ وتقديم الآراء على أنها معلومات وأخبار. مع ذلك، ظل الجمهور قادرا على التفرقة بين الإعلامي والصحفي، رغم أن بعضا من “الصحفيين” أصبحوا “إعلاميين”وتخلوا إلى حد كبير عن معايير مهنتهم الأساسية. لكن الخطر الحالي الذي تفرضه تكنولوجيا الاتصال يتجاوز كل ذلك ويهدد مهنة الصحافة في الصميم حتى أن الصحفي الحقيقي لم يعد قادرا على ممارسة مهنته بالمعايير التي تعلمها واتقنها وأصبح من يمارس الصحافة مثل “القابض على الجمر” يكتوي بنيرانه ولا يضيء بها كثير للآخرين.
ربما يحاجج البعض بأن ذلك الانتشار للإنترنت، وتحولها من وسيلة توصيل إلى أداة للإخبار والإعلام، إنما يتيح قدرا أكبر من الحرية ويعزز الفرص أمام الجمهور للاختيار بل و”يمكن” الناس العادية من القيام بمهمة الصحفي كي لا تظل حكرا على فئة فقط. ورأيي أن تلك الحجة ذاتها هي مصدر الخطر، ليس على مهنة الصحافة ومستقبل عمل الصحفيين ولكن على “المصلحة العامة” وحق الناس في المعرفة والشفافية والانكشاف. لكن هذا بحاجة إلى مقال آخر.

إلى الأعلى