الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رسومات التاسيلي الجزائرية تكشف تفاصيل مستوطني الشمال الإفريقي الأوائل
رسومات التاسيلي الجزائرية تكشف تفاصيل مستوطني الشمال الإفريقي الأوائل

رسومات التاسيلي الجزائرية تكشف تفاصيل مستوطني الشمال الإفريقي الأوائل

الجزائر ـ العمانية:
تُعَدُّ منطقة التاسيلي ناجر (جنوب شرق الجزائر)، متحفًا بسماء مفتوحة تمّ تصنيفه كتراث إنساني عالمي بالنظر إلى النقوش الصخرية المتناثرة على مساحة واسعة أبدع في إنجازها الإنسان الأول الذي استوطن المنطقة.
ويضمُّ هذا المتحف المفتوح 15ألف لوحة ومنحوتة صخرية تعود لفترة ما قبل التاريخ.. كما تتميّز منطقة التاسيلي بكونها وجهة سياحية نادرة بما تضمُّه من مناظر رائعة، يقصدها السياح المحليون والأوروبيون لاكتشافها بواسطة الجِمال أو السيارات رباعية الدفع. وتتميز المنطقة تضاريسيًا بكتلها الصخرية من الحجر الرمادي، التي ترسّبت على قاعدة بلورية تسمى “السهل ما تحت الطاسيلي”، وتُعرف أيضًا باسم “النجد الأرضي المتبلور”. وتتقاطع مع هذه الجبال أودية كبيرة تشكل البطون الجافة لمجارٍ مائية قديمة، وهو تكوين جيولوجي يأخذ شكل نتوء يمتدُّ من الشمال إلى الجنوب، ويوجد في سهل غرب هضبة المسالك الليبية، ويُمكن رؤيته من خلال الأقمار الصناعية، ويبدو أنّ هذه المرتفعات تمثل حدودا طبيعية وثقافية بين سكان التاسيلي وإقليم فزان الليبي. ويؤكد باحثون أنّ منطقة التاسيلي قديمة التكوين، وأنها تعود إلى حقبة ما قبل الكامبري (قبل الزمن الجيولوجي الأول)، وهي مؤرخة بحوالي 600 مليون سنة، وتشمل مساحة واسعة من الجنوب الجزائري، بما في ذلك منطقة الهوقار، وهو في منطقة التاسيلي ممثلًا بسهول أمادرور وآدمير، كما إنّ هناك مَن يُدرجها ضمن حقبة الباليوزويك التي تعود إلى الزمن الجيولوجي الأول بين 550 مليون سنة و370 مليون سنة.
وتُعدّ منطقة جانت عاصمةَ هذه الصحراء الرائعة، بما تحتويه من واحات غنّاء وقصور يعود تشييدها إلى آلاف السنين، حيث يقيم بها الطوارق، وهم السكان الأصليون للمنطقة، في حين يُفضّل بعض السكان أن يعيشوا حياة الترحال والبداوة. وتتشكّل هذه المنطقة من عدد من المسارات لا يُمكن للسائح أن يقطعها دون الاستعانة بدليلٍ عادة ما تُوفّره له “حضيرة التاسيلي” الموجودة بالمكان، حيث تقوم بالعناية بكلّ موجودات المنطقة من آثار ورسومات، وغيرها. ومن أهمّ تلك المسارات: تامريت، وسيفار، وجبارن، وواد أهرير، وواد جرات. وبحسب الدراسات التاريخية والجيولوجية، فإنّ التاسيلي شهدت تعاقب العديد من الشعوب، وذلك ما تدلُّ عليه الرسومات الموجودة إلى غاية اليوم. وقد قام عددٌ من الباحثين، ومن أشهرهم الملازم الأول الفرنسي “برينانس” الذي زار المنطقة سنة 1933، بتقسيم تاريخ المنطقة إلى فترات زمنية، بحسب ما تُثبته الرسومات التي عُثر عليها داخل الكهوف، أو على الصخور المتناثرة هناك، حيث بدأوها بالفترة الطبيعية، وهي الأقدم وتعود إلى العصر الحجري القديم، ثم الفترة المسمّاة “القديمة” أو العتيقة، والتي تتميّز بكثرة الحيوانات المرسومة وتتناسب مع المناخ الرطب، تليها فترة رعاة البقر، وتمتدُّ من 4000 سنة قبل الميلاد إلى 1500 سنة قبل الميلاد، وهي الأهمُّ من حيث عدد الرسوم المحفوظة التي تتميّز برسوم للأشخاص وقطعان الأبقار، ومشاهد من الحياة اليومية.
وتأتي بعد ذلك، فترة الخيول التي تُغطي نهاية العصر الحجري الحديث، والتي شهدت اندثار العديد من الأنواع الحيوانية بسبب الجفاف، كما تميّزت بظهور الحصان من خلال رسوم الخيول المتوحشة والخيول المستأنسة الموصولة بالعربات. تتبعها فترة الجمال، وتبدأ في القرون الميلادية الأولى، ويظهر فيها الجمل بصورة واضحة عبر رسومات مختلفة. وتظهر عبر هذه المراحل أنواعٌ كثيرة من الحيوانات، مثل الجاموس والفيل ووحيد القرن والزرافة والكركدن، وهذا ما تدلُّ عليه الرسومات الموجودة بالمنطقة، فضلًا عن مشاهد كثيرة تُصوّر بعض الجوانب من الحياة اليومية للسكان. وقد أسّست الكثير من الدراسات التي أُجريت على تلك الرسومات القديمة بمنطقة التاسيلي خلاصة مفادها أنّ شمال إفريقيا يُعدُّ من أقدم المناطق التي استقرّ بها الإنسان، وأنّ إنسان التاسيلي استطاع التكيُّف بصورة مذهلة مع شروط بيئته القاسية، وذلك ما عبّرت عنه بجلاء رسوماته الكثيرة التي واكبت حياته، خطوة بخطوة.

إلى الأعلى