الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : النموذج الصيني بأفريقيا يعزز حضوره خليجياً

في الحدث : النموذج الصيني بأفريقيا يعزز حضوره خليجياً

طارق أشقر

أثار الزخم الذي تشهده العلاقات الصينية الخليجية في السنوات العشر الأخيرة اهتمام الكثير من المراقبين، حيث أخذت هذه العلاقات التاريخية العريقة منحى اقتصاديا في الفترات الأخيرة أقوى مما كانت عليه في السابق، فهو زخم اعتبره الاقتصاديون بمثابة مواصلة لمسيرة نجاحات النموذج الاقتصادي الصيني في القارة الأفريقية الذي كان ومازال ملفتاً للانظار لما حققه من مردودات اقتصادية متميزة للصين وافريقيا معاً.
وقد بدى ذلك الزخم في العلاقات الاقتصادية شديد الوضوح في ما تم التوصل اليه من العديد من الاتفاقيات الثنائية بين مختلف دول الخليج العربية والصين شملت مشروعات متنوعة بمختلف القطاعات الاقتصادية، في حين أن فعاليات الدورة الثامنة لمنتدى التعاون العربي الصيني التي انطلقت أمس الأول الثلاثاء بالعاصمة الصينية بكين، أسهمت في الكشف بوضوح عن وجود حراك إقتصادي قوي في العلاقات الاقتصادية الخليجية الصينية يتوقع ان يجني الطرفان ثماره بنجاح خلال السنوات المقبلة.
يأتي هذا الحراك الاقتصادي الصيني الخليجي في وقت تبين فيه الاحصاءات الصينية بأن حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج يمضي بشكل تصاعدي حيث بلغ مائة خمسة وستين مليار دولار أميركي منذ ثلاث سنوات مضت، في حين تتطلع الصين وفق طموحاتها الاقتصادية المستقبلية أن يبلغ ذلك التعاون آفاقا اقتصادية أعلى في اطار مبادرة “الحزام والطريق ” التي طرحتها بكين على امل وصول مستوى التعاون الاقتصادي (الصيني العربي الأسيوي) على وجه العموم الى ما قيمته تريليون دولار أميركي ، وذلك عبر اقامة طرق تجارية قوية تربط دول وسط وجنوب شرق آسيا بالصين تجارياً.
ويرى الاقتصاديون بأن الحراك الاقتصادي الخليجي الصيني الحالي أمامه الكثير من فرص النجاحات الحققية، وذلك لتوفر الرغبة الصينية في الاستفادة من خصوصية الموقع الاستراتيجي لدول الخليج كجزء من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية بشكل عام، فضلا عن ما تمتلكه المنطقة الخليجية من ثروات نفطية كبرى لها أهميتها الدائمة بالنسبة لمسار حركة النمو الاقتصادي الهائل في الصين، ذلك النمو المتعطش دائما للطاقة النفطية التي مازالت لاغنى عنها لكل من يرغب في النمو والتطور.
ورغم ان دول الخليج العربية ليست في حاجة ماسة ـ على الأقل في الوقت الحالي ـ الى ما يمكن ان تقدمه الصين من قروض تعهدت بها بكين امس الأول الثلاثاء عبر نيتها تقديم قروض تبلغ عشرين مليار دولار ومساعدات بمائة وستة ملايين دولار لدول في منطقة ” الشرق الأوسط ” على وجه العموم ، الا ان هذا التعهد له دلالاته من الناحية الاقتصادية وستكون له بالضرورة انعكاساته الاقتصادية على مستوى الحراك الاقتصادي الصيني الخليجي وذلك باعتباره تأكيدا على رغبة الصين في تعزيز علاقاتها الاقتصادية ( العربية بصفة عامة )، في حين ان دول الخليج جزءاً من تلك المنطقة اقتصاديا ولابد ان تستفيد من المردودات التجارية لتلك القروض حتى لو لم تكن هي المستفيد المباشر منها، وذلك باعتبارها معبراً تجاريا هاما ولابد ان تتأثر التجارة فيها باي مردودات لأي نوع من حركة رأس المال بالمنطقة العربية.
ومن فرص نجاح الحراك الاقتصادي الصيني الخليجي ايضا هو توفر مناخ الثقة والاطمئنان الذي تمكنت الصين من بنائه على مستوى علاقاتها مع الأخرين كافريقيا مثلا ، حيث يعتبر النموذج الصيني في افريقيا خير برهان للتأكيد على خلو الاستراتجية الصينية في التعاون مع الآخرين من المآرب والأجندات السياسية بعيدة المدى. فقد أكدت الصين عبر نموذجها في التعاون مع الدول الأفريقية على ان استراتيجتها في التعاطي مع الآخرين ذات منطلقات اقتصادية بحتة وتقوم على قاعدة لاضرر ولاضرار اي خد وهات وكل له خصوصيته وسيادته وكل طرف يعتبر صاحب قراره السياسي والأمني والعسكري والخ .
ان هذه الاستراتجية الصينية في التعاطي الاقتصادي مع الدول، أسهمت في إنجاح النموذج الصيني الأفريقي القائم عمليا على مايعرف بآلية “النفط مقابل المشروعات ” وليس النفط مقابل السلاح او النفط مقابل ضبط موجة فزاعة الأمن والسلام، تلك الآلية التي تشوب وتعيب علاقة المنطقة العربية بالغرب بمختلف مكوناته، في حين وصل حجم التبادل التجاري للنموذج الصيني الأفريقي اي بين الصين والقارة الأفريقية إلى أكثر من مئتين مليار دولار في عام 2013 وحده.
ان هذا النجاح في النموذج الصيني الأفريقي يمكنه ان يسهم في تهيئة المناخات السياسية والاقتصادية والنفسية عبر تعزيز الثقة في الصين خليجيا ليقود بالنتيجة الى تعزيز الحضور الاقتصادي الصيني في الخليج بشكل اقوى مما هو عليه الآن.

طارق اشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى