الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بداوة المفكر العربي (2)

بداوة المفكر العربي (2)

أ.د. محمد الدعمي

ألاحظ ظاهرة البداوة الثقافية هنا، وأنوه إلى امتطاء هؤلاء المفكرين المرتحلين “الحرب الباردة” التي بقيت، ولم تزل مستعرة بين بعض الأنظمة الحكومية العربية لعقود، إذ اعتادت هذه الأنظمة الظفر بهذا المفكر أو ذاك الشاعر، ليس حبًّا به أو بومضات عبقريته الوقادة، ولكن نكاية بالنظام القائم في دولة عربية مضادة، وهكذا دواليك.
لقد كان واحد من أساطين ما يسمى بالنهضة العربية الإسلامية من أكثر بدو الفكر إثارة للانتباه وللإعجاب أحيانًا. هذا هو السيد جمال الدين الأفغاني الذي كان كلما نزل عند ملك أو أمير حتى غادره بعد فترة وجيزة، بحثًا عن راعِ آخر، خاصة وأنهم جميعًا قد اشتركوا بالشك به وبأنشطته الفكرية والسياسية. لذا كان الأفغاني مثالًا للشخصية الحربائية المناورة، العصية على التشخيص، فهي الشخصية “الأميبية” التي سكنت قلب سيرته منذ سني حياته الشابة عندما درس علوم الفقه في النجف الأشرف، حيث كان يضع العمامة الشيعية السوداء، حتى سني حياته في الأستانة، حيث توفي بسرطان الفم والبلاعيم وبكمد الذين حاربوه وأرسلوا العيون لمراقبته، فاضطر إلى التنقل وتغييب آرائه وهويته الحقيقية والمناورة بهما على سبيل الاختفاء والتواري من آن لآخر، حتى مات ولا أحد يعرف على وجه التأكد، فيما لو أنه كان شيعيًّا أم سنيًّا؛ أفغانيًّا أم إيرانيًّا. هو الأنموذج الأكثر وضوحًا وإثارة للاهتمام في تاريخ بداوة المفكر العربي، من بين سواه من نماذج بدو الفكر الرحل في العالم العربي الحديث حيث جاء تقديمه طلبًا للانضمام إلى المحفل الماسوني في القاهرة علامة من علامات “اللاانتماء” والرغبة بالارتقاء فوق محدوديات العصبيات الدينية والطائفية والسياسية. لذا فقد استحق السيد جمال الدين الأفغاني لقب “شيخ المفكرين البدو” في بدايات عصرنا الحديث هذا، بكل كفاءة واستحقاق. وهكذا عكس شعراء ومفكرو العصر وجودًا تائهًا وهائمًا أشبه ما يكون ببداوة ما قبل الإسلام الجاهلية: “هل غادر الشعراء من متردم/ أم هل عرفت الدار بعد توهم”.
أما في العصر الحديث، فقد تفاقمت “بداوة المفكر العربي” درجة انتقاله بالكامل من الوطن إلى المنفى لأسباب كثيرة أهمها التنافر بين سلطة الفكر وسلطة الدولة، لذا تجد أشهر هؤلاء المفكرين منتشرين في عواصم “العالم الحر” باحثين عن الحرية التي لم يجدوا لها أثرا كالذي كانوا يتوثبون إليه في مساقط رؤوسهم. قضى أبرع وأبرز كتابنا وشعرائنا أطول مراحل حياتهم المنتجة مغتربين متنقلين بين المنافي.
ألاحظ ظاهرة البداوة الثقافية هنا، وأنوه إلى امتطاء هؤلاء المفكرين المرتحلين “الحرب الباردة” التي بقيت، ولم تزل مستعرة بين بعض الأنظمة الحكومية العربية لعقود، إذ اعتادت هذه الأنظمة الظفر بهذا المفكر أو ذاك الشاعر، ليس حبًّا به أو بومضات عبقريته الوقادة، ولكن نكاية بالنظام القائم في دولة عربية مضادة، وهكذا دواليك. تحضرني قصة “شاعر العرب الأكبر”، محمد مهدي الجواهري الذي بقي “بدويًّا” بمعنى الكلمة، مخلصًا لتراثه الصحراوي إلى أقصى الحدود، متنقلًا من منفى إلى منفى ومن راعٍ لآخر حتى حضرته المنية غريبًا وهو بعيد عن النجف، مسقط رأسه. هذه ليست قصة الجواهري فحسب، لأنها قصة شعراء وكتاب ومفكرين عرب وعراقيين آخرين، منهم مظفر النواب وبلند الحيدري (وهو كردي) وأحمد مطر، من بين آخرين. عندما نويت حضور “مجلس الفاتحة” على روح المرحوم الجواهري، أمسك بي صديق ونصحني بتجاوز الذهاب إلى جامع براثا، حيث مجلس العزاء، قائلًا بأن الأجهزة الأمنية ستصورك وتسجل رقم سيارتك!
عندما زار الرئيس الراحل أنور السادات إسرائيل، انتقل عدد كبير من الأنتلجنتسيا المصرية آنذاك (كتاب وشعراء وصحفيين وفنانين، من بين سواهم) إلى العراق أو إلى بلدان عربية أخرى، احتجاجًا على الزيارة أعلاه، مميطين اللثام عن ظاهرة الحرب الباردة بين الأنظمة العربية على أوضح صورها، تلك الحرب التي تعتمد المفكرين الرّحل، بيادق، في مواجهات سياسية وخصومات إقليمية، مكرسة النزعة البدوية للمفكر العربي، للأسف. أغتيل السادات، فغادر هؤلاء المثقفون المصريون بغداد، إما عائدون إلى مصر وإما ذاهبون إلى سواها من حواضر العالم الكثيرة، حيث راح بعضهم يكيل النقد للحكومة العراقية آنذاك.

إلى الأعلى