الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غزة… بين منجزات الدماء وشراك المفاوضات

غزة… بين منجزات الدماء وشراك المفاوضات

فعلت القدرة الهمجية العدوانية ما بوسعها فعله بغية قهرها وكسر إرادتها المقاومة دون جدوى. ألقى حقدهم المعتق عليها، ووفق مصادرهم، ستة آلاف طن من متفجراتهم، ولغ غلهم المتوحش في الدم الفلسطيني ودمروا ما استطاعوا تدميره، لكنهم لم يحققوا هدفًا واحدًا من استهدافات حربهم الاستعمارية الفاجرة. لم “يحسموها” لصالحهم، ولم “يردعوا” مقاومة أذهل أداؤها في الميدان العدو والصديق وفاجأ حتى شعبها، ولم يحققوا طمأنينة لمستعمريهم في مغتصباتهم المحيطة.

توقفت، إلى حين، رحى الحرب العدوانية على الفلسطينيين في غزة، لكنما صيحاتها ظلت تتردد، وقبل أن ينجلي غبار المعارك، انتهت هدنة الـ72ساعة، وتعثرت، حتى الآن، محاولات تجديدها. رفضته المقاومة الفلسطينية قبل أن يستجاب لمطالبها، وكم كان حصيفًا أن ظلت أصابعها لصيقةً بالزناد، وكم هو المحق أن تعود صواريخها لزيارة تجمعات عدوها.
ها هم يريدون أن يأخذوا منها في مفاوضات القاهرة ما عجزوا عن أخذه في الشجاعية وخزاعة والقرارة. وإذ ما زالت المفاوضات، أو حربهم الرديفة جارية، عادوا لإلقاء حممهم عليها… وفي كل الأحوال، وقبل توقف رحى حربهم وبعد عودتها للدوران، فهناك أمر واحد يمكن الجزم به، وهو أن هذه الأيقونة النضالية الإعجازية العنيدة، قد ظلت هي هي، العصية على الانكسار، الآية في العطاء، الأسطورة في الصمود… وأن الدم الفلسطيني المقاوم فيها قد قاتل فيها وحده نيابةً عن كامل أمة وسال غزيرًا ولم يستسلم ولن يستسلم. وإنه ليس ثمة من أحد من كل أولئك المتفرجين على آخر المشاهد في متوالي حلقات مسلسل الملاحم النضالية الفلسطينية المتواصلة، وكل منهم من موقعه، ليشهد، راغبًا أو كارهًا، بأن الإرادة الفدائية العزلاء المستفرد بها قد فلَّت جبروت آلة الموت الغربية الهائلة في عاتي نسختها الصهيونية الفاجرة… انتصرت غزة لأنها لم تهزم، وهزمت عدوها لأنه لم ينتصر عليها، ولم تتوقف هذه الحرب عليها لتعود، إلا لأن انتصارها كان أول ما أسفر عنه بعض ما انجلى من غبار معاركها الذي ما انقشع إلا ليعود إلى التلبد…
فعلت القدرة الهمجية العدوانية ما بوسعها فعله بغية قهرها وكسر إرادتها المقاومة دون جدوى. ألقى حقدهم المعتق عليها، ووفق مصادرهم، ستة آلاف طن من متفجراتهم، ولغ غلهم المتوحش في الدم الفلسطيني ودمروا ما استطاعوا تدميره، لكنهم لم يحققوا هدفًا واحدًا من استهدافات حربهم الاستعمارية الفاجرة. لم “يحسموها” لصالحهم، ولم “يردعوا” مقاومة أذهل أداؤها في الميدان العدو والصديق وفاجأ حتى شعبها، ولم يحققوا طمأنينة لمستعمريهم في مغتصباتهم المحيطة، وهم الذين هجروها ويخشون العودة إليها… صدتهم غزة فانكفأوا عنها خشية استنزاف وتجنبًا لاحتكاك مباشر باهظ الكلفة جربوه، واعترفوا بفشلهم، طورًا مواربةً وآخر بالقطارة، وغالبًا حاولوا مكابرةً تغطيته … لم ينجحوا إلا في فظائع التقتيل باستهداف الأطفال والنساء والشيوخ، ولم يفلحوا إلا في افتنان ضروب التدمير الممنهج المجنون… ألم يفاخر أحد جنودهم بقتله لثلاثة عشر طفلًا فلسطينيًّا؟! أولم لم يستثنِ تدميرهم المدارس والمساجد والمشافي والجامعات وبيوت الآمنين بمن فيها وهدمها على رؤوسهم، ناهيك عن ما أزالوه من أحياءً بكاملها؟!
لكنهم، ويشهد على هذا كل المتفرجين على محرقتهم في غزة وملحمة صمودها البطولي، إقليميين ودوليين، قد فشلوا… وقضت غزة، ناطقةً بحكمها المبرم، مستندةً إلى أدلة ما أنجزه دمها المقاوم، معطوفًا على نتائج ما سبق من حروبهم الفاشلة على المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، ومنذ العام ألفين، بأنه لا من انتصار لهذا الجيش الصهيوني على مقاومة بعد اليوم… فما هو أهم ما أنجزه الدم الفلسطيني المقاوم في غزة؟
إن أهم منجز في هذه الجولة من صراع لن ينتهي ما دام هذا الكيان الغاصب قائمًا، هو إعادة الدم الفلسطيني المنتصر الاعتبار لقضية أمة كادت، قبل سواها، أن تنساها، وبعثه لشحنة من عنفوان أنعشت حلم التحرير في مرحلة انحدار يجهد للانفلات منها، وإذ أعلت من شأن ثقافة المقاومة، عززت منطق الممانعة وأنعشت كوامن روح المواجهة لدى أمة مقهورة مغيَّبة كم نزفت كرامتها وانثلم كبرياؤها وانتُهك وجدانها… تصوَّروا، لو كان لغزة من ظهير عربي كم ستختلف المسألة، أو كم هو الأكثر الأكثر مما كانت سوف تحققه؟! هذا الذي يصعب على الانهزاميين والمتواطئين على دمها تصوُّره… ومعهم كل هؤلاء المتباكين لاحقًا، على ضحاياها، أو المدبجي متأخرًا أسفارًا من الشجب والإدانة لغزاتها، بعد أن صمتوا صمت القبور طيلة شهر من المحرقة التي واجهتها، فكانوا موضوعيًّا المشاركين في سفك الدم الذي يتباكون ألآن عليه… غزة ليست في حاجة لمن يلعق جراحها وإنما لمن يساعدها على تضميدها…
والآن، وقد ربحت غزة جولة بما أنجزته وما لم يربحه عدوها، فإن أول الخاسرين هم جبهة أعدائها، أميركان وغربهم وعربهم، وعليه، كان انتقال رحى الحرب من ميادينها الغزية العسكرية إلى حيث نسختها السياسية الدائرة الآن رحاها، والتي يحتشد في ساحها كل هؤلاء بغية انتزاع ما أمكن مما فشل الصهاينة في تحقيقه في تلك الميادين، وإفراغ ما أنجزته التضحيات الفلسطينية من مضامينه، عبر ما ينصبونه من شراك في حقول المفاوضات حول مطالب الحد الأدنى التي أجمع الفلسطينيون عليها وحملوها معهم إلى القاهرة، والتي لم تكن الأكثر من وقف للعدوان، ورفع للحصار، وإعادة للإعمار، وإطلاق الأسرى والمعتقلين، لا سيما وأن رعاة ومتعهدي هذه المفاوضات هم هم، أي ذات رعاة ومتعهدي تلك التنازلية البائسة التي عرفت كارثيتها الساحة لعقدين خليا، ولم يتغيروا… وهنا نلفت إلى دعوة كيري إلى إحياء سالفتها المتوقفة، و”اغتنام وقف إطلاق النار والمحادثات المقررة في القاهرة للبحث في حل الدولتين”!!!
…وعليه، فالملِّح فلسطينيًّا الآن هو عدم السماح بأن تتحول عملية رفع الحصار وإعادة الإعمار، أحبولة لتصفية القضية بالتحايل لتصفية المقاومة، وكسر إرادة المواجهة التي أجبرت أعداء غزة على قبول مبدأ رفعه. وإذ ما بعد ملحمة غزة بات الآن المختلف عما هو قبلها، فأقله، وجوب الارتقاء إلى مستوى ما بذلت فيها من تضحيات، والأقل منه، هو عدم القبول بأقل مما حمله الوفد الفلسطيني معه إلى القاهرة من المطالب…

عبداللطيف مهنا
كاتب فلسطيني

إلى الأعلى