الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ذلك الدين القيم

ذلك الدين القيم

الإسلام كلمة الله عز وجل إلى الإنسان والناس وقد جمع محاسن الأديان كلها
أيها القراء الكرام .. يُعرِّف بعض العلماء الدين بأنه مجموعة من واجبات الإنسان نحو الله تعالى وواجباته نحو نفسه ووجباته نحو الآخرين.
ويذكر آخر تعريفاً للدين فيقول:(هو جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله، ومع الناس، ومع أنفسنا)، ويقول الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل): إن الدين هو الطاعة والانقياد وإنه قد يرد بمعنى الجزاء والحساب، ويذكر التهانوي تعريف الدين بقوله: إن الدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم على الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة ويطلق على ملة كل نبي وقد يختص بالإسلام.
والدين يضاف إلى الله بصدوره عنه وإلى النبي بظهوره منه وإلى الامة لتدينهم به وانقيادهم له.
والإسلام كلمة الله عز وجل إلى الإنسان والناس، أراده الله سبحانه منذ أن نشأ أبوهم آدم وإلى أن يذهب آخر حفيد في دنيا الناس، وأوقف الله تعالى على هذا التشريع عدداً كبيراً من الرسل وعدداً أكبر من الأنبياء وجيشاً من دعاة الإصلاح والإرشاد والهدى وجعل في الإنسان جهاز استقبال كامل بجميع معداته وأسلاكه ليكون مستعداً لالتقاط الصور والإشارات وأحاط هذا الجهاز بأجهزة أخرى وقائية كالعقل الحكيم والفكر السليم ذلك لأن الإنسان عالم كامل مهم يتركز عليه بناء البشرية وإسعادها وعمران الوجود وصلاحه.
والإسلام جمع محاسن الأديان كلها وهو قبل ذلك دين الله وهداه، ومما يلفت النظر في الإسلام أن صفاته الأساسية والكمالية يتصل بعضها ببعض ويبني بعضها بعضاً حتى إنه لو عطل أحد أركانه أثر ذلك التعطيل على بقية الأركان، ولهذا نجد الفروض والأحكام والعبادات والمعاملات جاءت لكمال الإنسان وإصلاحه وتهذيبه ومن هنا كان الإسلام كلمة الله وكان الثورة التحريرية التي لا تعرف الجمود ولا الخمود ولا تعرف التحديد ولا التقيد.
وبهذه القوة المتقدة استطاع الإسلام أن يهز وجدان المسلمين الأولين وأن يستقر في أعماقهم حتى خلق منهم إيماناً حياً يسير على الأرض ونموذجاً من أروع نماذج الإسلام، فلا عجب أن يكون نظاماً شاملاً ودينا متكاملاً ومن طبيعة هذا الدين البساطة.
البساطة في كل شيء، البساطة في المظهر والمطعم والمشرب، البساطة في زينة الحياة الدنيا (كل ما شئت والبس ما شئت ما لم تصيبك ثنتان سرف ومخيلة).
إن الحياة ذاتها بسيطة واضحة لا غموض فيها ولا إبهام، والإسلام يطالبك بأن تنظر إلى جميع ما يوجهك بابتسام هادئ وأن الابتسام فيه روح وراحة وهدوء وطمأنينة، والبسمة الطيبة والتفكير الهادئ، والتسليم لأمر الله من أظهر صفات المسلمين الصادقين.
وهذا كاتب أميركي يصور لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) ساعة احتضار ولده إبراهيم فيقول:(كان التسليم لإرادة الله واضحاً في سلوكه بينما كان يعاني أقصى ألوان الحزن وكان عزاؤه أنه سيلتقي به ثانية يوماً من الأيام في جنة الخلد) وقد جاء في كتب السنة أنه (عليه الصلاة والسلام) قال وولده إبراهيم يحتضر:(إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون).
ولقد أحس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لوعة الأسى لكنه كان صابراً محتسباً ممتثلاً راضياً كل الرضا مسلّماً لقضاء الله وقدره وهكذا المسلم حين ينتفع بدينه يكون صافي الفطرة سليم الطبع، حسن السريرة، فيه ثبات وفيه عمق وفيه هدوء.
ومن طبيعة الدين الإسلامي كذلك القناعة، فهو يتجه ابتداءً إلى الإنسان فيغرس فيه العفة والترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور ويكره إليه الجشع والشراهة والطموح المجنون، ولحب المال ضراوة تفتك بالضمائر والأبدان وكثير من الناجحين في دنياهم اشتروا هذا النجاح بعلل في أبدانهم وقلوبهم.
ولقد أثبت أحد الأطباء أن أكثر المرضى ليس لعلتهم أساس عضوي بل مرضهم ناشئ عن الخوف والقلق والبغضاء والأثرة المستحكمة وعجز الشخص عن الملائمة بين نفسه والحياة ومن ثم كانت دعوة الرسول الكريم أن تكون نفس الإنسان شفافة بعيدة عن الخوف والقلق وغيرها من الأفكار السوداء المدمرة فيقول:(تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة همه جمع الله أموره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد على الله عز وجل بقلبه، إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله إليه بكل خير أسرع).
أيها القارئ الكريم .. إن الإسلام عقيدة وشريعة يحث الإنسان على أن يكون نهضة تجعله يطأ الأرض بقدميه، أما عقله وقلبه ووجدانه فهو مع الله سبحانه، يسأله ويناجيه ويبث أشواقه إليه، ويستمد منه العون والتأييد ويستلهمه الرشد والصواب، ومن هنا نلاحظ أن الدين العظيم يأمرك أن تقدم لعقلك وقلبك ومعدتك غذاءً كافياً مريحاً لتتمتع كما خلقك الله جسماً وروحاً وبصراً وبصيرة والنفوس البشرية عامةً تختلف سعةً وضيقاً، وسطحية وعمقاً كما تختلف الأنهار والبحار والصحاري والقفار فالإنسان في حاجة إلى الدين حاجة الزهر إلى الطل أي الندى وحاجة الجسم إلى الروح وحاجة الروح إلى الله وإذا كان الإنسان يبحث عن الحبة والثمرة ليأكل فهذا استجابة لعنصره النباتي وإذا كان يبحث عن إشباع ميوله ويستجيب لغرائزه فذلك خضوع لعنصره الحيواني، فإذا عقل وفقه وبحث واستنبط واستنتج وتعمق، كان هذا طاعة لنداء العقل فيه.
وديننا يعظم العقل الإنساني ويعطيه حقه فلا دين لمن لا عقل له، والناظر إلى مستوى العقل البشري قبل ظهور الإشعاع الفكري الإسلامي يلاحظ هذه الطفرة التي طفرها العقل البشري بعد أن ظهر الإسلام، يذكر محمد فريد وجدي في كتابه (الإسلام دين الهداية والإصلاح) ما نصه: أن الإسلام أطلق العقل من عقاله وأعطاه كامل سلطانه، وقال الامام أبو حامد الغزالي: إن العقل كالأساس والشرع كالبناء ولن يغني أساس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس.
والدين ـ أخي القارئ ـ يهدف أول ما يهدف إلى تحرير القلب من زور الشك وبهتان الإفك ولهذا كان الإسلام حركة إنسانية خالدة هادية للعباد جميعاً بلغة سماوية تقول لنا أن صلاتنا عصمة وزكاتنا رحمة وصيامنا حكمة وحجنا مغفرة، فديننا هداية وإصلاح وتربية وتزكية وتخلية وتحلية.
نعم رسالة سماوية ونورانية (نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ( .. وفقنا الله لما يحب ويرضى.

محمد عبدالظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى