الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم.. سورة الكهف (49)

من قصص القرآن الكريم.. سورة الكهف (49)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير )الجامع لأحكام القرآن( للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة (الغاشية)، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح، وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ(الحمد لله) وهذه السور هي:(الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جلَّ وعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
قوله تعالى:(فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) فيه مسألتان، الأولى: قوله تعالى:(فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً) استفهام على جهة حسن الأدب (خرجاً) أي: جعلا، وقرئ (خراجاً) والخرج أخص من الخراج يقال: أد خرج رأسك وخراج مدينتك وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، ويقع على مال الفئ، ويقع على الجزية وعلى الغلة والخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال، والخرج: المصدر (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) أي: ردماً، والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل وثوب مردم أي مرقع قال الهروي يقال: ردمت الثلمة أردمها بالكسر ردماً أي: سددتها والردم أيضا الاسم وهو السد وقيل: الردم أبلغ من السد إذ السد كل ما يسد به والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض ومنه قول عنترة:(هل غادر الشعراء من متردم) أي: من قول يركب بعضه على بعض، وقرئ (سدّاً) بالفتح في السين، فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح المصدر، وقال الكسائي: الفتح والضم لغتان بمعنى واحد وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من خلقة الله لم يشاركه فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح، ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرؤوا (سدّاً) بالفتح وقبله (بين السدين) بالضم، وهي قراءة حمزة والكسائي، وقال أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سد بالضم وما لا ترى فهو سد بالفتح، والثانية في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضرباً ويحبسون أو يكلفون ويطلقون كما فعل عمر ـ رضي الله عنه.
قوله تعالى:(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) فيه مسألتان، (الأولى) قوله تعالى:(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) المعنى قال لهم ذو القرنين ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي برجال وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها الردم وهو السد وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد ولو كلوه إلى البنيان ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل وربما أربى ما ذكروه له على الخرج. وقرأ ابن كثير وحده (ما مكنني) بنونين. وقرأ الباقون (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي)
(الثانية) في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفذتها المؤن، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم وذلك بثلاثة شروط، الأول: ألا يستأثر عليهم بشيء، والثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم، والثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمراً بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، وتصريف بتدبير فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال: لست احتاج إليه وإنما احتاج إليكم (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي اخدموا بأنفسكم معي، فان الأموال عندي والرجال عندكم، ورأى أن الأموال لا تغني عنهم، فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه، فيعود بالأجر عليهم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمر أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك، المال جهراً لا سرّاً، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر، والله تعالى الموفق للصواب.
قوله تعالى:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي: أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم بنقل الآلة، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة، وإنما هو استدعاء للمناولة، لأنه قد ارتبط من قوله: إنه لا يأخذ منهم الخرج فلم يبق إلا استدعاء المناولة، وأعمال الأبدان و(زُبَرَ الْحَدِيدِ) قطع الحديد، وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه زُبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله، وزبرت الكتاب أي: كتبته وجمعت حروفه، وقرأ أبو بكر والمفضل (ردما ايتوني) من الإتيان الذي هو المجيء أي جيؤوني بزبر الحديد، فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول الشاعر:
(أمرتك الخير ..) حذف الجار فنصب الفعل، وقرأ الجمهور (زُبَرَ) بفتح الباء وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه.

اعداد ـ أم يوسف

إلى الأعلى