الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة الدولية من منظور إسلامي (2 ـ 5)
الأمر بالعدل في الإسلام أمر عام ينطبق في كل حين وعلى كل إنسان وبالنسبة لكل مكان

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة الدولية من منظور إسلامي).. للدكتـور أحمـد أبو الوفـا ـ أستاذ القانون الدولي العام كليـة الحقـوق بجامعـة القاهـرة.
وقال الباحث: لقد أمر الشارع بالعدل في العديد من الآيات، كقوله تعالى:(وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى ـ 15)، وقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة ـ 8)، وحث الشارع على العدل حتى ولو كان هناك ميل أو هوى أو قرابة:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 135)، ويؤكد ذلك أيضًا قوله تعالى:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ..) (الأنعام ـ 152).
موضحاً بأن الأمر بالعدل في الإسلام هو أمر عام ينطبق في كل حين، وعلى كل إنسان، وبالنسبة لكل مكان، يقول تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90)، وكذلك قيل:(والعدل في شريعة الإسلام فريضة واجبة، وليس مجرد (حق) من الحقوق التي باستطاعة صاحبها التنازل عنها إذا هو أراد، أو التفريط فيها دون وزر وتأثيم)، كذلك يقول (صلى الله عليه وسلم):(المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (رواه مسلم والنسائي وابن حنبل)، وعلى ذلك فالعدالة في الإسلام لا تعرف تمييزًا يستند إلى الدين أو الجنس أو اللون أو القرابة، ذلك أنها تطبق كما يجب حتى ولو كانت في صالح العدو، وحتى لو عانى منها القريب، فهي إذن عدالة مطلقة موضوعية لا تعرف التحكم تحت أي شكل من الأشكال. لذلك يقول تعالى:(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة ـ 8).
منع الظلم حتمية تستدعيها العدالة: ولأن الظلم هو عكس العدل بات من الطبيعي أن يحظره الشارع الحكيم، فحرمه على نفسه:(إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (النساء ـ 40)، (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف ـ 49)،(وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد) (آل عمران ـ 182)، (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِين)، ولذلك، ومن باب أولى، يكون الظلم محرمًا على البشر ولا يبرره أي مبرر، لقوله تعالى:(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) (الشورى: 42)، لذلك قال سبحانه وتعالى:(لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)، وقال أيضًا:(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 45) .
ومحاربة الظلم تعني أيضًا تعرية الظالم وفضحه. لذلك يقول سبحانه وتعالى:(لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (النساء: 148)، فإذا لم يفلح ذلك في وقفه عن غيه، أجاز الشارع الانتصار من الظلم:(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى 41 ـ 42)، (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء 224 ـ 227)، (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).
ومن الطبيعي أن تأتي السنة النبوية لتؤكد محاربة الظلم والظلمة، يقول (صلى الله عليه وسلم):(إذا رأيتم الظالم فلم تأخذوا على يديه يوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده) ـ (رواه الترمذي)، وأيضًا قوله:(لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم) (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه)، وكذلك قوله:(أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر).
كذلك قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيما روي عن الله سبحانه وتعالى:(يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا)، يقول الإمام النووي: إن قوله:(فلا تظالموا) أي: لا تتظالموا، والمراد لا يظلم بعضكم بعضًا، وهو توكيد لقوله (وجعلته بينكم محرماً)، وزيادة تغليظ في تحريمه.
لقد أوضح القرآن الكريم أساس الاعتداء على حقوق الآخر: ظلم بعض الناس للبعض الآخر، أو اعتداء فرد على فرد آخر، أو جماعة على أخرى، يقول تعالى:(إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس ـ 44)، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب ـ 72).
ويقول ابن تيمية: فالظلم نوعان:(تفريط في الحق، وتعدي للحد) كما أن ترك الواجب ظلم وفعل المحرم ظلم. ويضيف ابن تيمية أن (أداء الواجب أعظم من ترك المحرم .. فيكون جنس الظلم بترك الحقوق الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود).
وقد أوضح الإمام على أنواع الظلم بقوله:(ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله سبحانه: إن الله لا يغفر أن يشرك به وأما الظلم الذي يغفر، فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات. وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضًا.
ويقول الإمام مالك: عن المظلوم، وأنصره ما استطعت، وخذ بيد الظالم وادفعه عن ظلمه، فإنه بلغني عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: من مشي مع مظلوم حتى يثبت له حقه، ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام.
ويرى الإباضية ضرورة تحريم انتهاك حقوق الإنسان لأنه ظلم: واعلم أن مظالم العباد سيوف تقطع يمين الظالم عن تناول الكتاب في المآب إلا من ردها وتاب .. فإيَّاك والمظالم وأن تكون عونًا للظالم، فالعون على كل خبيث شريك، كذلك يقول الشيخ الخليلي: فإن طرق الظلم كثيرة وأبواب الجور واسعة.
لذلك حذّر الله سبحانه وتعالى من الظلم وعاقب عليه أشد العقاب في آيات كثيرة، منها قوله جل شأنه:(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم ـ 42)، وقال تعالى:(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر ـ 15)، وقال سبحانه:(فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (النمل ـ 52)، وقال تعالى:(وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزمر 47 ـ 48)، وقال:(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود ـ 102).
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى