الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (9)
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولا عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: إن طـابـع الـفـناء مـلازم لـها، ومـهـيمن عـليها في كل الأحـوال، وهـذا ما يـعـنيه قـول الـقائـل:(ولـو رأيـت محـاسـن الـدنـيا قـد ظـهـرت وأقـبـلت، فـاعـلـم أن ذلك دلـيـل الـفـناء عـلـيها)، إن سـوء حـال الـدنيـا مـا قـد وصـفـته لك، مـن أمـرهـا الـذي يجـعـلها إلى الـسراب الـوهـمي أقـرب مـنهـا إلى الـشـراب الحـقـيقـي، الـذي يتخـيـله الـعـطـشان.
وصـدق الله الـقائـل:(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحـديـد ـ 20).
ولـكـن فـلـتـعـلم أنه لـن يـفـوز بـهـذا الــعـلـم، الـذي يـدعـونا الله تعالى إلـيه إلا مـن تمـتـع بـنـور الـيـقـين، ولـم يـكـن حـظـه واقـفا عـنـد مـرحـلة الـيـقـين فـقـط كـما قـلت لك سـابـقاً، وإنـما الـعـمـل وفـقـا لـما أمـر الله بـه عـبـاده.
ولـكــن مـن أين لـنـا الحـصول عـلى نـور الـيـقـين؟ إنـه لا سـبيـل للحـصـول عـلـيه إلا بالاكـثار مـن ذكـر الله ومـراقـبتـه في الـسـر والعـلانـية، وبالآداب والـقـيـم والـسـلـوك، وهـو الـبـرهـان عـلى صـدق الإيـمان،ونـور الـيـقـين ومـثـل قـولي لـك:(لا تـترك الـذكـر لـعـدم حـضـورك مـع الله فـيه أي الـذكـر باللسان، لا يـنـطـبـق مـع وما وقـر في الـجـنـان .. الخ).
وقـد كان الحـارث بن مـالك الأنصـاري ـ رضي الله عـنه ـ واحـداً مـن الـذين أكـرمـهـم الله تعالى بــنـور الـيـقـيـن، وكـتـب في قـلـوبـهـم الإيـمان، فـرأوا الآخـرة أقـرب مـن أن يـرحـلـوا إلـيها، ورأوا محـاسـن الـدنيا وقــد ظـهـرت كـسـفـة الـفـناء عـلـيـها، يتـجـلى لك ذلك مـن الحـوار الـذي جـرى بـينه وبـين رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم): قال له الـرسـول (صلى الله عـليـه وسـلم):(كـيف أصـبحـت قال يا الحـارث؟ قال له حـارث: أصـبحـت مـؤمـناً حـقـاً، قال لـه رسـول الله ـ صلى الله عـليه وسـلم:انـظـر ما تقـول، فإن لـكل قـول حـقـيـقـة، فـما حـقـيـقـة إيـمانـك؟ قال حـارث يا رسـول الله: عـزفـت نـفـسي عــن الـدنيا، فاسـهـرت لـيـلي وأظـمأت نـهاري، وكأني أنـظـر إلى عـرش الـرحـمن بارزاً، وكأني أنـظـر إلى أهـل الجـنـة يــتزاورون فـيها، وكأني أنـظـر إلى أهـل الـنـار يـتضـاغـون فـيها، قال له رسـول الله ـ صلى الله عـليه وسـلم: يا حـارث عـرفـت فالـزم)، وفي رواية:(عـبـد نـور الله قـلـبـه).
اللهـم لا تحـرمـنا مـن نـعـمة الـيـقـين بما أنـبـأتـنا به، واكـتـب في قـلـوبـنا الإيـمان، وحـبب إلـيـنا ما نحـن مقـبـلـون عـلـيه مـن أحـداث يـوم الـقـيامة، وتـوج اللهـم يـقـيننا بالـنـور الـذي يـقـرب لـنا الـبـعـيـد، ويـزيـح عـن أبـصارنا وبـصـائـرنا الحـجـب، وألايـنـا مسـتقـبـل الأحـداث حـاضـراً واقـعـاً، نـعـيشـه عـمـلا صـالحا خـألـصا مـتقـبـلا، حتى لا نـغــتر بالـسـراب الـذي يـلـمـع أمـام أبـصارنا، ولكـي لا نـفـرح بما قـد أوتيـنا مـن نـعـيـم الـدنيا وخـيرها، حـتى لا نـركـن إلـيها حـى لا تغـرنا كـما غـرت الكـثـير مـنـا، ولا نأسى عـلى ما قـد فـاتـنا مـنها (الجـزء الـثالث شـرح الحـكم العـطـائية ص: 174 ـ 179، الجـزء الـثالث شـرح الحـكـم الـعـطـائية، ص: 167 ـ بتصرف).
تأمـل في الـمكـونات التي تـراهـا عـيناك، مـن الـسماء وما فـيها مـن نجـوم وأفـلاك، وفي الأرض وما فـيها مـن جـبال ووهـاد، وأشـجار ونبـاتات، وما قـد بـث فـيها مـن سـائـر الحـيـوانات، وفي الـبحـار وشـأنها وما فـيها مـن غـرائـب الـمخـلـوقات، ثـم قـل لي: ما الـذي تـنـطـق به هـذه الـمخـلـوقات كلها، وما الحـديث الـذي تـردده عـلى سـمـع كل غـافـل؟، إنـها تسـبح بحـمـد ربهـا لا تـتأبا، بخـلاف الإنـسان الــذي خـلـقـه الله في أحـسن تـقـويـم، وسـخـر له ما في السـماوات ومـا في الأرض، وأســبـغ عـلـيه نـعـمه ظـاهـرة وباطـنـة، ويـجـاهـر ربه بالكـفـر والعـصـيان.
إن تـلك الـمخـلـوقـات تتـحـدث عـن عـلـم الله، وحـكـمـته ودقـيـق تـدبـيـره، وباهـر قـدرته ، فـهي ألسـنـة شـتى ناطـقة بـوجـود الله ووحـدانيته، بـل إنـها مـرآة سـاطـعـة لـوجـود الله عـز وجـل، لا يـاتـيه عـن رؤيـته فـيها متـبصـرعـاقـل.
فـماذا لـو غـاب وجـود الـذات الـعـلـيه عـن صـفحـة هـذه الـمكـونات ومـرآتها فـلـم تـتـبـين فـيها آثــار عـلـمه وحـكـمته وتـدبـيره، ومـظـاهـر قـدرته؟، إذن لـغـابت هـذه الـمـكـونات أيـضا فـما رآهـا مـبصـر، ولـما وقـع منـها عـلى أي ثـر لها، ذلك لأنهـا إنـما تقـررت بـعـلـم الله وتخـصصت بإرادته، ثـم وجـدت بـقـدرته.
فـلـوا لـم تـتـجـلى فـيها هــذه الأسـرار الإلـهـية، التي بها ظـهـر الله في خـلـقـه وتجـلى لـعـباده، إذن: لـغـاب الـسـبب الـذي به تخـصص نـظـامها ثـم تحـقـق وجـودها ، ولـبقـيـت عـنـدئـذ في ظـلـمات الـغـيـب والــعـدم.
فإن قال لك قـائل: ولـكـن هـا أنا أنـظـر إلى الـمشـاهـد الكـونية عـلى اخـتلاف أنـواعـها، فـلا مـظهـراً لأحـد فـيها، ولا أبـصر فـيها إلا ذاتها وطـبيعـتها، فاعـلـم أنه كالـذي يـنـظـر إلى الـمـرآة الصـافـية، ثـم يـقـول: إني لا أجـد مـظهـرا لأحـد فـيه ولا أبـصر فـيها إلا ذاتها وطـبيـعـتـها.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى