الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (33)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (33)

الرضا من الله سبحانه أن يقبل العبد ويرضى عنه ويقتضي رضاه الثناء عليه ومدحه
الرضا: عمل عظيم من أعمال القلوب ومن رؤوسها، والرضا: ضد السخط (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، والرضا: يقال (في عيشةٍ راضيةٍ)، أي: مرضيةٍ ذات رضا، والرضوان: الرضا الكثير.
والرضا في الشرع: رضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد أن يراه مؤتمراً بأمره منتهياً عن نهيه، وأرضاه: أي أعطاه ما يرضى به، وترضَّاه أي: طلب رضاه.
ولمَّا كان أعظم رضا هو رضا الله سبحانه وتعالى، وخُصَّ لفظ الرضوان بما كان من الله عز وجل (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) وقال عز وجل:(يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان).
وإذا نظرنا إلى هذا الرضا في القرآن فإننا سنجده في عدد من المواضع:
قال الله عز وجل في العمل ابتغاء مرضاته سبحانه:(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)، يشري نفسه: يبيع نفسه بما وعد الله به المجاهدين في سبيله، ابتغاء مرضاة الله: أي أن هذا الشاري يشري (يكون مشترياً حقاً) إذا اشترى طلب مرضاة الله، كذلك في الصدقات، قال تعالى:(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله)، أي: يتصدقون بها ويحملون في سبيل الله ويقوّون أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين طاعةً لله وطلباً لمرضاته، وقال الله عن الذين يعملون أعمال البر ابتغاء رضاه:(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاح ٍ بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)، فأخبر تعالى عن عاقبة هذا بقوله:(فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) إذا فعله ابتغاء مرضاة الله، وقد رضي الله الإسلام ديناً لهذه الأمة، فهذا مما رضيه سبحانه، (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) أي: رضيتُ لكم أن تستسلموا لأمري وتنقادوا لطاعتي على ما شرعته لكم وأن تستسلموا لشرعي وتنقادوا إليه طاعةً منكم لي، وكذلك قوله تعالى:(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تُخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)، فيهدي سبحانه بهذا الكتاب المبين ويرشد ويسدِّد.
والرضا من الله سبحانه وتعالى أن يقبل العبد وهو مدح وثناء، وكذلك فإنه عز وجل يرضى عنه ويقتضي رضاه على العبد الثناء عليه ومدحه، وقال عزوجل عن المنافقين وهم يحلفون الأيمان (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين).
فهؤلاء المنافقون يريدون بالأيمان الكاذبة الخداع، ويريدون الكيد للمسلمين ويحلفون الأيمان الفاجرة أنهم لا يريدون شراً بالمسلمين وأنهم لا يريدون المكيدة لهم، ولكنّ الله أبى أن يقبل المسلمون منهم هذا، ولو أنهم كانوا صادقين لأرضوا ربهم تبارك وتعالى وليس أن يسعوا في إرضاء المخلوقين، وكذلك فإن الله سبحانه ذكر في كتابه العزيز الذي يبني المساجد ابتغاء مرضاة الله،(أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم)، فهؤلاء الذين بنوا المساجد خير أيها الناس عندكم من الذين ابتدؤوا البناء على اتقاء الله بطاعته في بنائه وأداء فرائضه ورضا من الله لبنائهم، فما فعلوه هو خير لهم، أما الذين ابتدوا بناءهم على شفا جرف هار فستكون عاقبتهم في النار، فأيّ الفريقين خيرٌ إذاً؟!.
كذلك أثنى الله على الفقراء المهاجرين الذين خرجوا من مكة إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وكذلك أراد الله أن يولّي نبيه قِبلة يرضاها فجعل يحوّل النبي (صلى الله عليه وسلم) ويصرف بصره في السماء يتمنى أن تحوّل القِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حتى أنزل الله (فلنولّينّك قِبلة ترضاها) أي: فلنصرفنّك عن بيت المقدس إلى قِبلة تهواها وتحبّها.
إن أداء الواجبات سبيل إلى رضوان الله عز وجل،(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) .. والنتيجة؟! (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم)، وكذلك الصبر على الطاعة والعبادة يؤدي إلى حصول الرضا من العبد على الرب ومن الرب على العبد ومن العبد عن الرب ومن الرب عن العبد، (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبِّحْ وأطراف النهار لعلَّك ترضى).
والله يرضي أهل الإيمان والدين لَمَّا ضحَّوا في سبيله، يرضيهم ويعطيهم يوم القيامة حتى يأخذوا كل ما كانوا يرجونه وزيادة،(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قُتِلُوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين، ليدخلنّهم مُدْخَلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم). وإن الصحابة لما جاهدوا في سبيله واتبعوا نبيه ودافعوا عن شريعته ونشروا دينه وبلّغوا شريعته، (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً).
وهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروحٍ منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه.
فالرضا هنا متبادل بين الرب والعبد .. ويوم القيامة ستكون العيشة الراضية عاقبة هؤلاء وأهل اليمين، قال تعالى:(فأما من أوتي كتابه بيمينه، فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني مُلاقٍ حسابيه، فهو في عيشة راضية)، وقال تعالى:(وجوه يومئذٍ ناعمة، لسعيها راضية)، وقال تعالى:(يا أيّتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضيّة)، وقال تعالى:(وسيجنّبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكّى، وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجْزَى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى)، وقال تعالى:(فأما من ثَقُلَتْ موازينه، فهو في عيشة راضية).
رضا الله عز وجل أعلى مطلوب للنبيّين والصديقين، (ذكر رحمت ربك عبده زكريّا، إذ نادى ربه نداءً خفياً، قال ربِّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً، ولم أكن بدعائك ربِّ شقياً، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّاً، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربِّ رضِيَّاً)، (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيَّاً)، ماذا فعل موسى عندما استعجل لقاء الله؟! ولماذا استعجل؟!، (وما أعجلك عن قومك يا موسى، قال هم أولاء على أثري وعجلتُ إليك ربِّ لترضى) .. استعجل الخير واللقاء لينال رضا الله .. وكذلك سليمان ـ عليه السلام ـ لما سمع كلام النملة تبسم ضاحكاً من قولها، وقال:(ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي َّوعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه)، وكذلك فإن هذا الإنسان الذي يبلغ أشده ويبلغ أربعين سنة يقول صاحبه:(ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه) .. وهذا مطلوب الصحابة لمّا عبدوا الله يبتغون فضلاً من الله ورضواناً .. ويوم القيامة: الفئة هذه المرضيّ عنها هي التي تشفع والذين لا يرضى الله عنهم ليسوا من أهل الشفاعة، (يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)، فأهل رضاه يشفعون، وقال عز وجل: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، وشرع الله لنا ديناً يرضيه لنا (وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم) .. ومن الأمور التي ينبغي على العبد: أن يرضى بما قسم الله له ويعمل الزوج لكي ترضى زوجاته عن عيشهنّ بالعدل بينهنّ (ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهنّ ولا يحزنّ ويرضين بما آتيتهنّ كلهنّ).

أحمد محمد خشبة

إلى الأعلى