الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة

خطبة الجمعة

بَهْجَةُ الأَعْرَاسِ .. ضَوَابِطُ وَحُدُودٌ
الْحَمْدُ لله الَّذِي أَسْبَغَ عَلَى خَلْقِهِ النِّعَمَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ لَهُمْ أَوْقَاتًا وَسُبُلا لِلْفَرْحَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الزَّواجَ سُنَّةً فِي خَلْقِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ مَثَلاً يُقْـتَدَى بِهِ فِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ عَلَى الْهُدَى وَالصَّلاحِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْفَوْزِ وَالْفَلاحِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي –عِبَادَ اللهِ- بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ” وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ” (7) المائدة . وَاعْـلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ فِي الإِسْلامِ عَقْدٌ عَظِيمٌ، إِذْ هُوَ رِبَاطٌ بَيْنَ قَلْبَيْنِ، وَتَآلُفٌ بَيْنَ رُوحَيْنِ، يَقُومُ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالْفَضِيلَةِ، وَيُحَقِّقُ الرَّحْمَةَ وَالسَّكِينَةَ، يَهَبُ الْحَيَاةَ، وَيُؤَسِّسُ الْعَلاقَاتِ، وَيَبْنِي الْمُجْـتَمَعَاتِ؛ لِذَا كَانَ لِهَذَا الْعَـقْدِ فِي شَرْعِ اللهِ مِيزَةٌ خَاصَّةٌ، وَأَحْـكَامٌ مَخْصُوصَةٌ، وَآثَارٌ مُعْـتَبَرَةٌ، إِنَّ لِتَحَقُّقِ هَذَا الرِّبَاطِ الْمُبَارَكِ بَهْجَةً وَفَرْحَةً، لَيْسَتْ لِلْزَّوْجَيْنِ فَحَسْبُ، بَلْ لأَقْرِبَائِهِمْ وَلِلْمُجْـتَمَعِ مِنْ حَوْلِهِمْ، لِذَلِكَ يُسْـتَحَبُّ لِلأَهْـلِ وَالأَحْـبَابِ أَنْ يُسْهِمُوا وَيُشَارِكُوا فِي تَخْفِيفِ الْعِبْءِ عَلَى الْمُقْبِلِ عَلَى الزَّوَاجِ وَمَا يَحْـتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْوَلِيمَةِ وَالْعُرْسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ” المائدة 2 ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مَزِيدُ تَحْـقِيقٍ لِلسُّرُورِ، وَإِظْهَارٌ لِلأُلْفَةِ وَالتَّرَابُطِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ سَاعَدُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ –كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- وَشَارَكُوهُ فَرْحَتَهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَعْضُ الأَنْصَارِ أَصْوَاعًا مِنْ ذُرَةٍ، وَأَهْـدَى إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَبْشًا.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ لِعَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ عُرْسٌ بَهِيجٌ، يُعْـلَنُ بِهِ النِّكَاحُ، وَتَغْمُرُهُ الْفَرْحَةُ والسُّرُورُ، وَتَزِينُهُ الآدَابُ تَحْـقِيقًا لإِرْشَادِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا قَالَ: ((أَعْـلِنُوا النِّكَاحَ))، فَيُسَنُّ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ وَلِيمَةٌ تَجْمَعُ النَّاسَ، وَتُظْهِرُ الأُلْفَةَ، وَتَكُونُ إِمْعَانًا فِي الإِعْلانِ وَالإِشْهَارِ، فَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَوْلَمَ لِزَوْجَاتِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: “جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا بِكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ”. وَلَكِنَّ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا حَذَّرَ مِنْهُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ بِقَولِهِ:  وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) الأعراف  ، إِنَّ هُنَاكَ –عِبَادَ اللهِ- أَطْنَانًا مِنَ اللُّحُومِ وَالأَطْعِمَةِ تُرْمَى بَعْدَ أَعْرَاسِ الْمُسْرِفِينَ الْمُبَذِّرِينَ، فِي حِينِ أَنَّ هُنَاكَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ مَنْ يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِتَوْفِيرِ لُقْمَةٍ، أَوْ يَطْوِي بَطْنَهُ مِنْ جوعٍ وَمَسْغَبَةٍ، فَأَقْبِحْ بِهَا مِنْ خَصْلَةٍ، وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ مَنْقَصَةٍ. وَنَحْنُ لَوْ نَظَرْنَا إِلَى هَدْيِ الْمُصْطَفَى فِي زَواجِهِ لَوَجَدْنَا الْبَسَاطَةَ وَالْعَظَمَةَ فِي آنٍ واحِدٍ، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: “قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْنِي بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ؛ فَأَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ (الْبُسُطِ) فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ”، وَقَدْ جَاءَ الأَمْرُ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ لِحُضُورِ الْوَلِيمَةِ، فَفِي ذَلِكَ إِدْخَالٌ لِلسُّرُورِ فِي قَلْبِ مَنْ دَعَا وَمَنْ حَضَرَ، وَفِيه تَحْـقِيقٌ لِمَظْهَرِ التَّآلُفِ، يَقُولُ الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم : ((إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ))، وَهُنَا يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ – أَيُّهَا الأَحِبَّةُ – إِلَى أَنَّ مِنْ خُلُقِ الْمُسْلِمِ أَلّا يَعيبَ أَوْ يَحْتَقِرَ طَعَامَ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ قَلَّ، فَخَيْرُ الْخَلْقِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَعِيبُ طَعَامًا قَطُّ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبتُ، وَلَو أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)) والكُرَاعُ، أي: مَا دُونَ الكَعْبِ مِنَ الدَابَةِ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
مِمَّا يَزِينُ الْفَرْحَـةَ تَقْدِيمُ التَّهَانِي لِلأَزْوَاجِ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، فَفِي الْحَـدِيثِ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ قَالَ لَهُ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَيْـنَكُمَا فِي خَيْرٍ))؛ وَلَكِنَّ بَهْجَةَ الأَعْرَاسِ لا يُمْـكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلاَّ فِي حُدُودِ الأَخْلاقِ، وَإِطَارِ الْقِيَمِ، مُتَجَسِّدَةً فِيهَا رُوحُ مَبَادِئِ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ؛ وَلا سِيَّمَا أَنَّ الزَّواجَ رِبَاطٌ يَقُومُ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ، وَيَحُثُّ عَلَيهِ دِينُ اللهِ، وَيَحْفَظُهُ شَرْعُ اللهِ. إِنَّ مِمَّا يَقْبُحُ فِي الأَعْرَاسِ – عِبَادَ اللهِ – وَيَشِينُ فَرْحَتَهَا وَبَهْجَتَهَا أَنْ تَتَخَلَّـلَهَا مَظَاهِرُ الإِسْرَافِ وَالْمُبَاهَاةِ، إِذْ يُنْفِقُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَهْرَجَتِهَا الأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ الَّتِي لا دَاعِيَ لَهَا، وَلا يَدْفَعُ إِلَيهَا إِلاَّ حُبُّ التَّمَيُّزِ، وَشَهْوَةُ الظُّهُورِ وَالشُّهْرَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُبْغِضُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَرْضَى بِهِ مُؤْمِنٌ. فَالْمُبَاهَاةُ وَالتَّفَاخُرُ فِي حَدِّ ذَاتِهَا مَنْـقَصَةٌ عَظِيمَةٌ، وَسُقُوطٌ فِي الأَدَبِ وَالْخُلُقِ، يَقُولُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) لقمان وَيَقُولُ جل جلاله : تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص، فَكَيْفَ إِذا اجْـتَمَعَ مَعَ ذَلِكَ رَذِيلَةٌ أُخْرَى، -وَهِي الإِسْرَافُ وَالتَّبْـذِيرُ- الَّتِي يَقُولُ اللهُ جل جلاله فِي أَهْـلِهَا: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) الإسراء
إِخْوَةَ الإِيمَانِ وَالْهُدَى:
مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْـلِمَةِ أَلاَّ تَغْفُلَ عَنْهُ، أَوْ تُنْسِيَهَا الْفَرْحَةُ الالْتِزَامَ بِهِ، اللِّبَاسُ الشَّرْعِيُّ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا، فَالمَرأَةُ الْعَرُوسُ لا يُبِيحُ لَهَا وَضْعُهَا ذَاكَ أَنْ تَخْرُجَ إِلى النَّاسِ فِي يَوْمِ عُرْسِهَا بِلِبَاسٍ يَصِفُ أَوْ يَشِفُّ، أَوْ يُبْدِي شَيْـئًا مِمَّا يَجِبُ عَلَيهَا سَتْرُهُ، فَالأَمْـرُ الإِلَهِيُّ لا تُغَيِّرُهُ الظُّرُوفُ وَالْمُنَاسِبَاتُ، وَلا يُتْرَكُ لأَجْـلِ الطِّبَاعِ وَالْهَوى، يَقُولُ عَزَّ قَائلاً عَلِيمًا: ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59 ) الاحزاب ” ، وَيَقُولُ جل جلاله : ” وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) النور ” ، وَهَذَا لا يَخُصُّ المَرأَةَ الْعَرُوسَ فَحَسْبُ، بَلْ يَشْمَلُ غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمُنَاسَبَةٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ – أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ -، وَاجْعَلُوا مِنْ أَفْرَاحِكُمْ وَأَعْرَاسِكُمْ مَوْطِنًا لإِظْهَارِ شُكْرِكُمْ لِلْمَوْلَى الْقَدِيرِ، الَّذِي هَيَّأَ لَكُمْ لِلْفَرَحِ أَسْبَابَهُ، وَفَتَحَ لَكُمْ لِلسُّرُورِ بَابَهُ، وَاحْـذَرُوا أَنْ يَأْتِيَكُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ انْبِسَاطِكُمْ وَبَهْجَتِكُمْ، ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  التحريم 6
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاعْـلَمُوا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، أَنَّ مِنْ مَظَاهِرِ الأَعْرَاسِ مَا قَدْ يَكُونُ مُؤْذِيًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَمُعَطِّلاً لِمَصَالِحِهِمْ، فَيَجِبُ الابْـتِعَادُ عَنْهُ، وَالتَّحْـذِيرُ مِنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَخْرُجَ طَوَابِيرُ السَّـيَّارَاتِ لِزَفَّةِ الْعَرُوسِ فِي طُرُقَاتِ الْمُسْـلِمِينَ الْعَامَّةِ، فِي مَوْكِبٍ يَجْعَلُ الطُّرُقُ مُزْدَحِمَةً أَوْ مُتَوَقِّفَةً لِمُدَّةٍ قَدْ تَطُولُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي مُسْـتَخْدِمِي الطَّرِيقِ وَقْتَهَا ذُو الْحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ، وَالظَّرْفِ الطَّارِئِ، وَالْمَرَضِ الْعَارِضِ، فَتَتَعَطَّلُ الْمَصَالِحُ، وَيَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ، وَمِمَّا يَزِيدُ الصُّورَةَ سُوءًا أَنْ تُصْدِرَ تِلْكَ السَّـيَّارَاتُ أَصْوَاتَ أَبْوَاقِهَا بِطَرِيقَةٍ هَمَجِيَّةٍ وَسْطَ الأَحْـيَاءِ الْهَادِئَةِ، وَالْمَسَاكِنِ الْوَادِعَةِ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الإِيذَاءِ مَا لا يَخْـفَى، وَهَـلِ الْمُسْلِمُ – أَيُّهَا الْكِرَامُ – إِلاَّ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ؟! أَوَلَيْسَ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ كَفُّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ؟! وَأَيْنَ غَابَتْ عَنْ أَمَثَالِ هَؤُلاءِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي بِيَّنَهَا الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم فِي قَولِهِ: ((لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ))؟، إِنَّ مِنْ إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالآخَرِينَ الإِيذَاءَ بِمُكَبِّرَاتِ الصَّوْتِ، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم : ((فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ ضَرْبُ الدُّفِّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ))، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ يُقْصَدُ بِهِ الإِنْشَادُ الْمُهَذَّبُ الأَصِيلُ الْخَالِي مِنَ الإِثَارَةِ وَالْمُجُونِ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَحَافِظُوا عَلَى قِيَمِكُمُ الْكَرِيمَةِ، وَأَعْـرَافِكُمُ السَّامِيَةِ، وَأَخْلاقِكُمُ الْعَالِيَةِ، فِي الْفَرَحِ وَالتَّرَحِ، وَفِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَاجْـعَلُوا أَعْرَاسَكُمْ مُمَثِّلَةً لِمَعْدِنِكُمْ، وَمُبَيِّـنَةً لِجَمِيلِ صِفَاتِكُمْ وَطِبَاعِكُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الأحزاب
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل .

إلى الأعلى