الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العراق بين تاريخين

العراق بين تاريخين

احمد صبري

”.. رغم أن حركة تموز أحدثت نقلة نوعية في مكانة العراق ودوره كمركز استقطاب مؤثر في محيطه العربي وأيضا الدولي، وأعادت إليه حريته وحققت استقلاله الناجز في فترة النهوض القومي الذي كان سمة تلك المرحلة، وهي من أشد فترات الإثارة في التاريخ العربي، إلا أن اختلاف الرؤى بين رموز تموز والتدخل الخارجي أجهض أحلام العراقيين في رؤية عراق مستقر مزدهر وموحد.”

رغم مرور 60 عاما على الرابع عشر من يوليو ـ تموز 1958 اليوم الذي أسقطت فيه الملكية وإعلان الجمهورية، إلا أن هذا الحدث ما زال في ذاكرة العراقيين حدثا فاصلا بين عهدين، لا سيما العهد الذي أعقب الرابع عشر من تموز وتداعياته على جميع الأصعدة والعقود الستة التي شهدها العراق كانت ثقيلة ومليئة بالأزمات والانقلابات والحروب والتحديات، وصولا إلى غزو العراق واحتلاله وضعته في دائرة الاستهداف من فرط ما أصاب المشاريع التي بشر ونادى بها الذين تناوبوا على إدارة شؤون العراق على مدى العقود الماضية.
وليس دفاعا عن الملكية ولا انتقاصا من المراحل التي أعقبتها وإنما لقول الحقيقة حول أوضاع العراق في ظل عهدين مختلفين من حيث الرؤية والأهداف.
فالعهد الأول كان العراق مرتبطا ببريطانيا بحلف مع بعض دول الجوار وسواهما في مواجهة حركة صاعدة تهدف إلى الخروج من شرنقة الأحلاف والتبعية كانت مصر عبد الناصر تقود هذا الحراك، فيما كان العهد الثاني رجع لصدى هذا الحراك ومتناغما مع أهدافه وتطلعاته كنواة للوحدة المنشودة في ذلك الوقت.
وأمام هذا التوصيف لمسار العهدين لم يدر بخلد من عايش لحظات 14 تموز 1958 وما أحدثته من تداعيات على الأوضاع المحلية والعربية والدولية أن تتلاشى أهدافه بفعل الخلافات التي قطعت أوصال الود والتفاهم بين رموزها منذ بداية انطلاقه، وحوّل حلم التغيير إلى كابوس فيما بعد.
ورغم أن حركة تموز أحدثت نقلة نوعية في مكانة العراق ودوره كمركز استقطاب مؤثر في محيطه العربي وأيضا الدولي، وأعادت إليه حريته وحققت استقلاله الناجز في فترة النهوض القومي الذي كان سمة تلك المرحلة، وهي من أشد فترات الإثارة في التاريخ العربي، إلا أن اختلاف الرؤى بين رموز تموز والتدخل الخارجي أجهض أحلام العراقيين في رؤية عراق مستقر مزدهر وموحد. فالعواصف كانت أقوى من أن يصمدوا أمامها فتحول العراق إلى ساحة للصراعات والتجاذبات المحلية والإقليمية التي أدت إلى تعطيل مسيرته ونهضته، وتطلع أبنائه إلى الحرية والوحدة والتحرر.
وشهد العراق فترة عدم استقرار وفوضى وتصفيات بين المكونات السياسية التي كانت تتسيد الساحة السياسية العراقية في تلك الفترة، ما أدى إلى أن يصاب العراق بالشلل والتعطيل.
وإذا استحضرنا تلك الأحداث نصاب بخيبة الأمل والشعور بالمرارة لأن تلك الحركة كان يمكن أن تكون إيذانا ببدء مرحلة جديدة تنقل العراق من حال إلى حال، وتحقق للعراقيين تطلعاتهم وآمالهم الذين قدموا من أجلها التضحيات الجسام، وتؤسس لمشروع نهضوي يعوض العراق عما فاته من تطورات كبيرة.
وبعد مرور 60 عاما على ذلك الحدث الذي هز العالم ما زال العراق في المربع ذاته لم يتخلص من تلك التداعيات رغم أن بدايتها كانت سياسية، وتحولت بعد احتلال العراق عام 2003 إلى طائفية، وسيبقى العراق يعاني من هذه الجروح الغائرة بالجسد العراقي ما لم يتخلص منها ويتمسك بالمشروع الوطني العابر للطائفية والعرقية بإرادة رافضة لأهدافها التي قطعت أوصاله.

إلى الأعلى