الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عن المغص الأمني العربي المزمن

عن المغص الأمني العربي المزمن

عادل سعد

”إن السلام لا يحتاج إلا إلى نظرة لوجستية توفر الأمل من أجل وضع حلول لجميع مشاكل المنطقة، مع العلم أن استفحال الخوف الأمني الحالي خلق مغصا سياسيا إقليميا جعل فرصة معالجته صعبةً جدا، ولن يستقيم أمن الدول العربية انفرادا وقوميا إلا على أساس حاجة بعضنا إلى بعض وإعادة ترتيب البيت العربي.”

هي الأبوة الزائفة أن يضع الرئيس الأميركي ترامب العرب على رأس الدول التي تحتاج إلى حماية تتولاها الولايات المتحدة الأميركية, وأن علينا أن ندفع تكاليف هذه الحماية نقدا وعدا, إنه بذلك يعيد رسم صورة العسكريين الأميركيين عندما احتلوا العراق عام 2003 ونظم (البنتاجون) قائمة بالتكاليف اليومية التي على العراقيين دفعها من أثمان مبيعات نفطهم إلى حد تسديد تكاليف الملابس الداخلية لهؤلاء العسكريين وقناني البيرة التي يتناولونها.
الملاحظ أن إدارة الرئيس الأميركي ترامب باتت تلح على هذا الإيقاع الإعلامي امتدادا لتغريداته على موقعه الإلكتروني، أو خلال استقباله لمسؤولين عرب يزورون واشنطن بين الحين والآخر. والمفارقة أننا عربيا في مقدمة قائمة دول العالم المستوردة للسلاح وفق معلومات إحصائية يصدرها مركز ستوكهولم المعني بمتابعة صفقات تجارة الأسلحة، ما يعني بالحساب المنطقي أننا لسنا بحاجة لحماية من أية دولة، خاصةً وأننا نشتري أجيالا متطورة ومتنوعة من تلك الأسلحة، وهكذا ينبغي أن تكون عنوان قوة لنا وليس العكس, والمعيب الأكثر إيلاما أن بعض أراضي البلدان العربية تحولت إلى مقابر للأسلحة المستوردة بحكم تطور صناعة السلاح في العالم، وهناك من يرى أن إقامة مقابر من هذا النوع تكلف أثمانا باهظة أيضا ما دامت الصفقات على الجديد منه لا تخضع لأي توقيتات، وهنا يصح التوليف استثمارا لما قاله الراحل محمود درويش “نترك زماننا كما نترك معاطفنا في البيوت”.
ما زال الاشتغال علينا عربيا أننا لم نبلغ سن الرشد الأمني حتى الآن وأن دورة الأمن العربي قوميا لا تكتمل إلا بمراعاة هاذين الطريقين المتداخلين, شراء الأسلحة والبقاء تحت خيمة أمن الآخرين على أساس عدم قدرتنا على مواجهة الأخطار التي تحدق بنا، ولكم أن تتصورا الكلفة النفسية لهذا الشعور بالعجز الذي يحاول الرئيس ترامب إقناعنا بأننا مصابون به وبأنه جزء من وجودنا وليس حالة طارئة دخيلة.
السؤال هنا: كم نخسر عربيا في عدم تفنيد هذه المزاعم التي يحرص الرئيس الأميركي على الإيغال بها؟
إن واحدة من الادعاءات التي يحاول الأميركيون وصم العرب بها أن هناك تباينا بين أمن الدول العربية والحال فإن الاعتياش على هذا التباين المزعوم يبعد أحقية العرب في إيجاد نفوذ أمني مشترك لهم، وهكذا كان التكريس المتعمد للنفوذ على الأساس الانفرادي لكل دولة من دول المنطقة, ولم نجد حتى الآن ما يعين بعض الأنظمة العربية على تجربة النفوذ القومي المشترك بدليل لم يحصل خلال أكثر من ربع قرن أن ناقشت جامعة الدول العربية إمكانية وضع أولويات بسيطة للأمن القومي المشترك، ولذلك بقينا مسبوقين بالخوف الإقليمي الأمني رافضين الكلفة البسيطة الخاصة بالسلام والتفاهمات الإقليمية.
إن السلام لا يحتاج إلا إلى نظرة لوجستية توفر الأمل من أجل وضع حلول لجميع مشاكل المنطقة، مع العلم أن استفحال الخوف الأمني الحالي خلق مغصا سياسيا إقليميا جعل فرصة معالجته صعبةً جدا ولن يستقيم أمن الدول العربية انفرادا وقوميا إلا على أساس حاجة بعضنا إلى بعض وإعادة ترتيب البيت العربي, فهل تستقيم وظيفة أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط من أجل ذلك, على الأقل ليحرر نفسه من تهمة السبات الذي تعاني منه هذه المؤسسة القومية، وعندها تصح فرصة الأمن الإقليمي الشامل وفق رؤية مشتركة مع الدول الأخرى في المنطقة.

إلى الأعلى