الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مخيم حندرات: العودة المحدودة

مخيم حندرات: العودة المحدودة

علي بدوان

”مخيم حندرات، وفي محنته التي انفجرت في نيسان/إبريل 2013، لحق بمن سبقه من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا التي بات معظم سكانها ومواطنيها مهجّرين ومنتشرين على قوس واسع، كمخيم اليرموك ومخيم درعا ومخيم السبينة بالرغم من العودة المحدودة لسكان ومواطني مخيم السبينة في ريف دمشق الجنوبي.”

مخيم حندرات (أو مخيم عين التل)، واحد من تلك المخيمات الفلسطينية في سوريا، وهو المخيم الأبعد في سوريا عن أرض فلسطين. إذ يقع شمال مدينة حلب، وعلى بعد نحو أربعمئة كيلومتر من دمشق، وعلى مسافة نحو خمسمئة كيلومتر من حدود فلسطين.
مخيم حندرات تعرض لنكبة جديدة، أقسى وأمَرّ من نكبة العام 1948، عندما غادره جميع مواطنيه منتصف نيسان/ابريل 2013 باتجاه التشرد والضياع في مناطق مدينة حلب المختلفة، حيث أقيمت لهم على عجل مساكن مؤقتة في المدينة الجامعية، بينما ذهب بعضهم نحو بعض القرى بعد المعارك الطاحنة التي حرقت الأخضر واليابس، ولم تترك الناس في حياتهم العادية، وقد هجره كامل سكانه تقريبا بعد أن قدموا في اليوم الأول من الخروج منه خمسة عشر شهيدا وعددا كبيرا من الجرحى نتيجة الاشتباكات.
يقع المخيم شمال شرق هضبة حلب، وعلى الطريق المؤدي للمسارب المتجهة نحو تركيا، وعلى مرتفع صخري، وعلى مسافة ثلاثة عشر كيلومترا عن وسط مدينة حلب.
مخيم (حندرات) للاجئين الفلسطينيين أو مخيم (عين التل) أبعد مخيم فلسطيني في سوريا عن أرض فلسطين، فيما بعض المخيمات الفلسطينية الواقعة في ريف دمشق ومنها مخيم (خان الشيح) أو (مخيم العودة) تبعد أقل من (40) كيلومترا عن حدود فلسطين الشمالية عن الوطن الأم سوريا.
مخيم حندرات، أو مخيم (عين التل) ومواطنوه من لاجئي فلسطين عاش ظروفا صعبة وما زال، في ظل الأزمة الداخلية في سوريا وبالأخص منها ما جرى في مدينة حلب. حالة صعبة بدأت مع تهجير مواطنيه وسكانه وما زالت حتى الآن في استتباعاتها وتداعياتها المباشرة، وقد سقطت أعداد كبيرة من أهالي المخيم في سياق ما جرى، حاله كحال معظم المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية.
أقيم مخيم حندرات عام 1962 حين استأجرت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا من الحكومة السورية أراضي (تل حندرات) وعلى مساحة تقارب (200) دونم، ووزعتها على اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في بعض القرى والبلدات الحلبية مثل قرى (تل رفعت) و(منبج) و(الباب) و(أعزاز)، ولتخفيف الاكتظاظ عن مخيم النيرب الواقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة حلب.
كانت أعداد مواطني مخيم حندرات من لاجئي فلسطين، وقبل المحنة السورية، تُقدّر وفق معطيات وكالة هيئة الأمم المتحدة (الأونروا) بنحو (6000) لاجئ فلسطين، فهو أصغر المخيمات الفلسطينية في سوريا تقريبا من حيث عدد السكان، بينما تشير مصادر الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا بأن عدد سكان مخيم حندرات كان يقترب من (8000) لاجئ فلسطيني قبل محنة التهجير والتدمير.
يعود معظم سكان المخيم في أصولهم الفلسطينية إلى قرى تتبع مدن حيفا وصفد وعكا بشكل رئيسي في فلسطين المحتلة عام 1948، مثل قرى وبلدات: كفر لام، إجزم، عين غزال، الزيب، طيرة حيفا، جبع، ترشيحا، النهر، البروة (بلدة الشاعر محمود درويش)، أم الزينات، الطنطورة، قنّير، حواسة، السنديانة، الغابسية، الشيخ دنون، وقرى سهل الحولة (الزوية والخالصة) وقرية حطين قضاء طبريا… وغيرها.
تشرف وكالة هيئة الأمم المتحدة (الأونروا) على المخيم من النواحي الثلاثة الإغاثة الاجتماعية والصحة والتعليم، بالرغم من عدم اعترافها به كمخيم مثل مخيم النيرب في حلب على سبيل المثال. وقد نجحت وكالة الأونروا في تشييد وحدات سكنية قبل عدة سنوات من اندلاع الزمة السورية لإيواء عشرات العائلات من أبناء المخيم، كما نجحت في رسالتها التعليمية على وجه الخصوص.
مخيم حندرات، وفي محنته التي انفجرت في نيسان/إبريل 2013، لحق بمن سبقه من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا التي بات معظم سكانها ومواطنيها مهجّرين ومنتشرين على قوس واسع، كمخيم اليرموك ومخيم درعا ومخيم السبينة بالرغم من العودة المحدودة لسكان ومواطني مخيم السبينة في ريف دمشق الجنوبي.
الآن وبعد سنوات من التهجير والمعاناة، وسفر أعداد كبيرة من أبناء المخيم، خاصة عنصر الشباب إلى تركيا ومنها إلى أوروبا في هجرات قسرية مفروضة نتيجة الواقع والمآلات الصعبة التي وجد الناس حالهم أمامها، وبعد أن انسحبت كل المجموعات المسلحة من قوى المعارضة من المخيم، فإن عودة الناس والمواطنين إلى المخيم ما زالت جزئية ومحدودة جدا، وذلك بسبب من: أولا: الدمار شبه الشامل الذي طال منازل ودور المخيم، والمؤسسات الخدمية، بما في ذلك مرافق وكالة الأونروا ومؤسسات المجتمع المدني. ثانيا: الدمار شبه الكامل للبنية التحتية والمرافق العامة وفقدان الكهرباء والماء. ثالثا: تقصير القوى والفصائل الفلسطينية مجتمعة في تقديم يد العون والمساعدة المطلوبة للناس بالرغم من الزيارات المتكررة لبعض القيادات المركزية من الفصائل الفلسطينية للمخيم. رابعا: تراجع قدرة وكالة الأونروا على تقديم الخدمات المطلوبة في ظل التراجع في ميزانيتها العامة والشح المتواصل ـ فعملية إعادة إقلاع مؤسسات الوكالة (المدارس والمستوصف ومركز التنمية الاجتماعية) تحتاج لإصلاح عام في البنية التحتية المدمرة.
وتقدر الجهات الفلسطينية المعنية بأن العائدين للمخيم من مواطنيه حتى الآن لم يتعدَّ السبعين عائلة فلسطينية، يقيمون الآن داخل ما تبقى من منازلهم، دون خدمات للبنية التحتية، وبوجود مدرسة للوكالة تم إعادة افتتاحها على عجل لتأمين التعليم للتلاميذ والطلبة، حيث لعبت حركة الجهاد الإسلامي دورا في تجهيز تلك المدرسة من ناحية إعادة إصلاح بنيتها التحتية بالحد الأدنى المطلوب لتأمين إقلاع المدرسة في عملها.
وبالنتيجة، نحن الآن أمام صورة من صور الواقع الأليم لأوضاع لاجئي فلسطين في سوريا، الذين طالتهم المحنة السورية، كما طالت إخوتهم وأشقاءهم السوريين، لكنها أخذت أبعادا أكبر حيال لاجئي فلسطين، الذين وجدوا أنفسهم بين الطارق والسماء، وهو ما دفع بأعداد لا بأس بها منهم للهجرة إلى أصقاع المعمورة باتجاهاتها المختلفة في هجرة قسرية لم ولن تغنيهم عن وطنهم فلسطين الذي ما زال يعشش ويسكن في قلب وفؤاد كل لاجئ فلسطيني في سوريا وغير سوريا.

إلى الأعلى