الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كتاب “المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” يكشف تطور اللغات المساعدة على مواكبة تغيرات المجتمعات

كتاب “المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” يكشف تطور اللغات المساعدة على مواكبة تغيرات المجتمعات

استعرضه ـ حسام محمود
هناك منهجان أساسيان للتفكير أولا الانطلاق من الماضي كأساس ومرجع وحيد للتفكير, والتقييم بالانطلاق من الماضي , واعتماد الماضي المرجع الأساسي للتقييم, فهناك أشياء تبدو كأنها يحرم تعديلها , ومعارف وأحكام وتقييمات أساسية محرم العبث بها لأن صحتها مطلقة غير قابلة للتبديل . والمنهج الثاني الانطلاق من الماضي والحاضر والمستقبل المتوقع معا كأساس للتفكير والحكم والتقييم , والقيام بتعديلات وتصحيحات باستمرار طالما الوضع يتطلب ذلك مراعاة لتحقيق الأهداف, والسعي بأكبر درجة من الاحتمال , والتعديل وفقا للأحكام والتقييم , ففى هذه الطريقة ليست هناك تقييمات لا يمكن تبديلها , فالتعديل والتصحيح وارد طالما أثبت الواقع ضرورة ذلك , فهناك معالجة فكرية مستمرة بين معارف وأحكام وتقييمات الماضي وما يحصل الآن وتوقعات المستقبل وتبنى أحكام بتقييمات معاصرة .
التفكير الواعي
في كتاب ” المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” لمؤلفين نبيل حاجى نائف ومصطفى حامد، هناك تحليل على أن التفكير المنطقي والرياضي يعتمد المعالجة بالتسلسل , وكذلك التفكير السببي الذي يعتمد على الأسباب . لذلك هو مقيد ومحدود مثل أي تفكير يعتمد سلسلة واحدة من المسببات لأن الواقع هو ناتج تفاعل كمية شبه لا متناهية من العناصر بالآليات التفاعلية التي تعبر عن مكنونات الموضوعات والقضايا . إن أهم خصائص الوعي هو تركيزه على سلسلة مسار سببى واحد للتفكير ومعالجته , من ضمن المداخلات الكثيرة , فمن المفيد تجنب تشتيت الانتباه عند ملاحظة المؤثرات الجديدة , والتركيز على تحديد المهام منها لمعالجته هو فقط , والتغاضي عن البقية , والاستمرار في ذلك المسار حتى يحدث مثير جديد وهام يستدعى قطع المعالجة الجارية والالتفات لمعالجة هذا الجديد ريثما يحدث الأجدد , وهكذا يكون الفكر متعمقا ومتنوع الاتجاهات والأنماط , ومن زويا مختلفة لمعالجة كافة المؤثرات والمتغيرات التي تعبر عن التوجهات والعقائد والطموحات والرغبة فى التقدم نحو المستقبل . إن عمل الدوافع يتحقق من خلال التحكم بالاستجابات الحركية والحسية خاصة المفيد والضار واللذة والألم , فالدافع لآلية معينة أو لسلوك معين ينتج عن طريق التحكم بالاستجابات التي تحصل ومعالجتها , فظهور دافع الجوع يلاحظ من خلال تغير الاستجابات الخاصة بالطعام , وهذا يرجع إلى الأوضاع الكيميائية والفسيولوجية للجسم . فانخفاض وارتفاع شدة الاستجابة وتغير الأحاسيس من لذة إلى ألم أو العكس هو ما يظهر الدافع في ساحة الشعور , فالاستجابات لنفس المؤثرات ليست ثابتة ومحدودة بل هى تابعة لوضع الكائن الحي الكلى , فالنار مؤلمة وتدفع الإنسان للهرب منها كاستجابة , لكنه من الممكن أن يقترب منها بل يتعرض لها إذا كان الوضع يستدعى إنقاذ إنسان آخر أو الممتلكات , فتكون هناك استجابة أقوى من الفطرة ليقترب الإنسان بدلا من الابتعاد عن النار وشرورها . إن التفكير الواعي ساعد الإنسان على إحداث قفزة هائلة لقدرته على معالجة الأفكار عن باقي الكائنات الحية , وبناء التنبؤات أو المعارف , فالفيل والحوت وبعض الدلافين يملكون خلايا دماغية أكثر من البشر , ولديهم قدرات معالجة فكرية خام أكبر من قدرات الإنسان, ولكن ليست أنجح من طرق معالجته , فنظام التشغيل في دماغ البشر أفضل وأنجح نتيجة استعمال البينات الفكرية اللغوية المتطورة جدا . وهذا ما حد كثيرا من فاعلية معالجة الكائنات الأخرى للبيانات الفكرية التي يتعاملون بها , فذاكرتهم أفضل وأدق, لكنهم يتعاملون مع بنيات فكرية خام لأنها لا تقوم على معالجة اللغات , ويمكن تشبيه الفرق بين التفكير الإنساني وطريقة تشغيل الكائنات الحية الأخرى لعقولهم أن تفكير البشر رقمي عالي التطور بلغة محددة بل ويمكن للعقل البشرى استعمال وتعلم لغات جديدة , فى حين أن طريقة معالجة البينات في عقول الكائنات الحية الأخرى غير رقمية ينقصها إدراك معاني اللغات , وفهم كيفية التفكير في التطور , وتغيير الواقع , وهو ما يسمى بتميز الإنسان بالرقى البشرى عن الخلق .
ثقافة العقل
لقد عرف أغلب المفكرين والفلاسفة أن الوجود متحرك وفى صيرورة وهو لا معين ولعل زينون الإيلى وهو أحد الفلاسفة قبل حقبة سقراط أدرك أن الوجود متصل ولا متناه , وهو عندما وضع حججه يرى أن التعامل معه فكريا فى حكم المستحيل , وهذا ما تمت مقاومته من أرسطو وباقي الفلاسفة . فالإبقاء على عدم التعيين لا يحقق مطلب العقل بتحقيق تعامل مجد مع الواقع . فيجب الوصول إلى ثوابت أكيدة يتم اعتمادها , ولكن هذا غير ممكن , فلا شيء أكيد بصورة مطلقة فالصيرورة وعدم التعيين واللاتناهي هي من خصائص الوجود الأساسية . هذه المشكلة هي دوما ماثلة فى كل تفكير يسعى لفهم الوجود , ويجب التعامل معها لتحقيق ما يرضى العقل ويقبل به . وهذا ما يفعله كل مفكر فهو يسعى لتعيين الثوابت الأساسية فى هذا الوجود , لكي ينطلق منها ويبنى أفكاره , فالوجود لا يمكن التعامل معه إلا بعد فهمه ومعرفته , وهذا لا يتم إلا بعد تثبيته وتحديده وتعيينه . ولدى الإنسان الذي يعيش فى مجتمع تطورت هذه البنيات الفكرية نتيجة التواصل بين الأفراد , فترابطت سلسلة أفكاره لتشكل بنيات عقلية وثقافية متطورة , عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات فيزيائية تدل عليها , وهذا أدى لنشوء الإشارات اللغوية وتطورها لتصبح كما هي عليه الآن . فهذه اللهجات اللغوية الفيزيائية المرسلة للدماغ الآخر تصبح هي أيضا مدخلات حسية , وهى تتحول من جديد لبيانات فكرية خام , وتصبح أفكارا دلالية فهي ترمز لأفكار تم إرسالها من إنسان لآخر , وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها الأفكار الانتقال من عقل لآخر عن طريق ترميزها ببنيات لغوية فيزيائية ومعاني ذكية تتماثل مع متطلبات الموضوع أو القضية المنظورة . فاللغة لدي البشر تمثل أفكارا وحسا بصور كثيرة متنوعة بأفكار لغوية فيزيائية محددة معينة وموحدة يتم التواصل بها بين الأفراد , فكل جملة ينطقها البشر تصف صيرورة موضوع لعلاقات تتسم بعضها بالحدة , والآخر بالهدوء أو العاطفة أو الجدال , وربما المناقشة والصراع . إنها اللغة التى تعبر عن ثقافة المجتمعات وقدرتها على التواصل بين الشعوب وربط تطلعاتها بقضاياها , من خلال تعميق الفكر وشحن الذهن , والجمع بين التعامل والحوار , ونبذ الصراعات والخلافات إن وجدت . والمخ البشرى غاية في التعقيد لدرجة أدهشت العلماء من إبداع تكويناته الفكرية وإشاراته العقلية والحسية حتى أنه رغم توصل الخبراء الي تحديث ابتكارات الكمبيوتر , إلا أن أسرار المخ البشرى لا تزال تتوالى , بل وتحمل خبايا عديدة تفوق أنظمة الإنسان الآلي والحاسب والكمبيوتر والبرمجة والالكترونيات , بعد أن تفوقت على سائر المخلوقات والكائنات الحية . لقد استطاع العقل الإنساني التعامل مع صيرورة وعدم تعيين الوجود بتلك الطريقة التي تجمع بين الأحاسيس والأفكار والتجارب والرؤى والخيارات واللغات , صحيح أنه لن يستطيع بلوغ المطلق , لكنه سوف يصل إلى نسبة عالية جدا من دقة التنبؤ تكفى متطلباته وأوضاعه وتطلعاته نحو المستقبل مع أخذ العبر من تجارب الماضي للحاضر .

إلى الأعلى