السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / درويش .. هذا المنقوش على شاهد قبرك .. منقوش في قلبي!

درويش .. هذا المنقوش على شاهد قبرك .. منقوش في قلبي!

وأنا أواجه رفوف مكتبتي لم يكن ذهني تواقا لكتاب بعينه، هي عادة يومية، حتى لو كنت منهمكا في كتاب ما، تسوقني قدماي إلى ركن المكتبة في غرفة نومي، لتحبو عيناي فوق العناوين، في تلك المرة استوقفني عنوان بعينه، “محمود درويش وطن في شاعر” ، أهدتني إياه الناقدة الدكتور عزة بدر عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، قرأته منذ عدة أشهر، لكنني أجد نفسي الآن مدفوعا لجذبه من رف المكتبة، وإعادة قراءته، أهي الذكرى السادسة لرحيله ؟ ،ربما ؟ وربما أيضا هذا العدوان الإسرائيلي الهمجي على أبناء شعبه، أبناء شعبنا في غزة !
ولا أظن أن الدكتورة عزة بدر قرأت شعر محمود درويش ونثره لتكتب، بل لتستمتع، لتنتشي بالتوحد مع أوجاعه، وهذا حالنا جميعا حين نقرأ لهذا المناضل الفلسطيني العظيم.
ولا أظن أن هذا الكتاب الذي أهدتني إياه، “محمود درويش وطن في شاعر” ،هو تذييل لقراءتها عالمه الشعري والسياسي والإنساني، هي لم تستقرئ عوالم درويش الأدبية والنضالية لتهرع إلى أوراقها وأقلامها لتكتب تعقيبا، تعليقا، تنظيرا لما قرأت، كتاب “عزة بدر” لم يكن قرارا، بل هي استحضرت عوالم الراحل العظيم، ليغمرها بنورانية صوفية مناضل، تتجاوز كل ما عهدناه في عوالم المناضلين، فتتوحد معه، ويكون زفيره هو أوكسجينها الذي تتنفس لتعيده إلينا زفيرا نتنفسه بدورنا أوكسجينا، هو، هذا الكتاب الذي بين يدي الآن، الذي بدوري توحدت معه حين قرأته للمرة الأولى. كيانا خالدا، مؤرقا للاحتلال الإسرائيلي .
“كان حلمه أن يعود إلى قريته “البروة” ،ورفضت إسرائيل عودته إلى “البروة “حيا وميتا “.
هل مات ؟ هذا ما تقوله البيانات الرسمية، مات محمود درويش في التاسع من أغسطس 2008 لكن شاعر القضية الفلسطينية لم يزل يتردد صوته في أنحاء الأرض.
” لم أزل حيا، حيا، ولا أصدق غير حدسي”
وكتب على شاهد قبره اسم قريته التي لم يعد لها، فله ولها كل أسماء الحنين.
وتتوقف الدكتورة عزة بدر أمام مقولته الخالدة التي نقشت على شاهد الرخام “على هذه الأرض
، سيدة الأرض ما يستحق الحياة”
وبذلك – تقول الكاتبة – يكون الشاعر قد قال كلمته الأخيرة لأن إرادة الشعوب في التحرر وثقافة المقاومة قد حفرتا اسم هذه القرية الخالدة “البروة” في ذاكرة العالم، حتى ولو كان على شاهد قبر. لكن هذا المنقوش على شاهد القبر، منقوش في قلبي، في قلوب أبناء الأمة، إنها إرادة الحياة، إرادة البقاء، إرادة المقاومة .! لذا سيبقى شاهد القبر هذا سن رمح خالدا، سيظل يؤرق الإسرائيليين لأن ساكن القبر خلف في ملايين القلوب ترسانة من قيم المقاومة التي لن تهدأ أبدا إلى أن يسترد الشعب الفلسطيني جغرافيته المسلوبة، وما أجمل كلماتها وأدقها، وهي تدقق في عالمه التي توحدت فيه لنتوحد نحن أيضا فيه من خلال رؤيتها.
“كانت رياضته المفضلة أن يفتش يوميا في لسان العرب عن كلمة ما، عن تاريخها وأصلها والاشتقاقات التي خرجت منها وكانت كلمته المفضلة هي كلمة “البيت” المعنى والمبنى، البيت في “لسان العرب” هذا هو بحثه في اللغة والحلم والأمس واليوم والغد، هذا سؤاله الوجودي والشعري الذي صنع قضيته وجعلها قضية إنسانية وجودية بامتياز، وتستعين بما قال في ديوانه كزهر اللوز أو أبعد “أمشي مع الضاد في الليل، تلك خصوصيتي اللغوية – أمشي مع الليل في الضاد كهلا يحث حصانا عجوزا على الطيران إلى برج/ إيفل ، يا لغتي ساعديني على الاقتباس لأحتضن الكون في داخلي شرفة – لا يمر بها أحد للتحية، في خارجي عالم / لا يرد التحية، يالغتي هل أكون / أنا ما تكونين؟ أم أنت يا لغتي – ما أكون؟ ويالغتي دربيني على / الاندماج الزفافي بين حروف الهجاء وأعضاء جسمي – أكن سيدا لا صدى.
وتمضي الكاتبة متوحدة في رحلته الشاقة بحثا عن بيته وعن أبيات غيره من الشعراء الذين عذبتهم المنافي وشقت على نفوسهم غربة الذات الشاعرة، وفي الصدارة بدر شاكر السياب الذي يبحث عن قريته “جيكور” وأمل دنقل ، يقول درويش في قصيدته “أتذكر السياب ”
أتذكر السياب يصرخ في الخليج سدى/ عراق ، عراق، ليس سوى العراق، ولا يرد سوى الصدى. أتذكر السياب في هذا الفضاء السومري. تغلبت أنثى على عقم السديم ، فأورثتنا الأرض والمنفى معا .
وترى المؤلفة أن هذا كان قدر درويش الشعري والحياتي أيضا، أن يسكن في البين بين، الخيالي والواقعي فيكتب عن بيت الجنوبي أمل دنقل، فيقول في قصيدته “بيت من الشعر، بيت الجنوبي ” الجنوبي يحفظ دروب الصعاليك عن / ظهر قلب، ويشبههم في سليقتهم / وارتحال المدى ،لا”هناك” ، لا عناوين للفوضوى/ ولا مشجب للكلام . يقول النظام احتكام الصدى للصدى، وأنا صوت /نفسي المشاع : أنا هو أنت ونحن أنا / وينام على درج الفجر : هذا هو/البيت ، بيت من الشعر، بيت الجنوبي/ لكنه صارم في نظام قصيدته ، صانع/بارع ينقذ الوزن من صخب العاصفة وفي مختتم القصيدة يسكن الشاعران بيت شعر .
حيث يقول درويش: قال في آخر الليل : خذني إلى البيت / بيت المجاز الأخير/ فإني غريب هنا يا غريب/ ولا شيء يفرحني قرب بيت الحبيب / ولا شيء يجرحني في “طريق الحبيب” البعيدة.
وكانت القاهرة بيتا له، ليست البيت البديل عن “البروة” رغم أنه أحبها وعشقها، وكما تقول الكاتبة: عندما ارتحل الشاعر إلى القاهرة اطمأنت نفسه ووجد أنه برحيله إليها لم يترك المعركة التي كرس حياته وشعره من أجلها، بل انتقل إلى موقع جديد أرحب صدرا وأغنى بإمكانيات الحركة والكفاح، ويصف الشاعر نفسه بابن النيل في قصيدة جميلة بديوانه “لا تعتذر عما فعلت “وهي بعنوان “في مصر”
في مصر لا تتشابه الساعات
كل دقيقة ذكرى تجددها طيور النيل
كنت هناك، كان الكائن البشري يبتكر
الإله / الشمس، لا أحد يسمي نفسه أحدا ،”أنا ابن النيل – هذا الاسم يكفيني” ومنذ اللحظة الأولى تسمي/ نفسك “ابن النيل ” كي تتجنب العدم / الثقيل .
وتلاحقه عزة بدر في ترحاله، حيث انتقل إلى بيروت ليمضي بها عشر سنوات من عام 1972 وحتى عام 1982، إلى أن اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية واحتل الإسرائيليون بيروت وحدثت مجزرة صابرا وشاتيلا ليرحل درويش إلى دمشق فتونس ومنها إلى باريس، ومع مشقة الترحال لم يبارحه أبدا حلم بيته الموجع وحلم ثورته الفلسطينية، وهما حلمان تطابقا بدواخله،
وفي قصيدته ” شكرا لتونس ” يقول:
أقول لها: سأمكث عند تونس بين منزلتين : لا بيتي هنا بيتي، ولا منفاي كالمنفى ، وها أنذا أودعها ، فيجرحني هواء البحر، مسك الليل يجرحني، وعقد الياسمين على كلام الناس يجرحني، ويجرحني التأمل في الطريق اللولبي إلى ضواحي الأندلس .
وتفسر المؤلفة: الإشارة إلى الأندلس رمز إلى الحلم المفقود، حلم البيت والمجد والعودة
إلا أن عمق المأساة ، أن يكون الإنسان بلا بيت، إدراكها يظل منقوصا إن لم نصل إلى قرارها ، لذا أحسنت الدكتورة عزة بدر، حين قادتنا إلى هذا القرار، ليلة بعيدة، تضرب بجذورها في عمق 66 عاما ، كان درويش في السابعة من عمره، لقد باح بمواجع تلك الليلة في حديث أدلى به لمجلة الأداب البيروتية وأورده الناقد الراحل رجاء النقاش في كتابه “محمود درويش .. شاعر الأرض المحتلة ” : في إحدى ليالي الصيف التي اعتاد فيها القرويون أن يناموا على سطوح المنازل أيقظتني أمي من نومي فجأة فوجدت نفسي مع مئات من سكان القرية أعدو في الغابة ، كان الرصاص يتطاير فوق رؤوسنا، ولم أفهم شيئا مما يجري، بعد ليلة من التشرد والهروب وصلت مع أحد أقاربي الضائعين في كل الجهات إلى قرية غريبة ذات أطفال آخرين، تساءلت بسذاجة :أين أنا؟ وسمعت للمرة الأولى كلمة لبنان، ويخيل إلي أن تلك الليلة وضعت حدا لطفولتي بمنتهى العنف !
وأتذكر حين كنت في المرحلة الثانوية ، كان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي، التقطت أذناي ربما من إذاعة بي .بي .سي أو إذاعة إسرائيل ما أذهلني، أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي قرر فصل الشاعر محمود درويش من عضويته لأنه توجه إلى القاهرة دون إخبار الحزب ! درويش عضو في حزب إسرائيلي ! أشهق بفزع سنوات مراهقتي الضحلة معرفة وفكرا وحكمة لماذا ؟
وعرفت أنه ليس وحده، سميح القاسم، إميل حبيبي، آخرون من رموز المقاومة الفلسطينية، وكيف يكونون رموزا للمقاومة الفلسطينية وهم ينتمون إلى حزب إسرائيلي ؟
وأتذكر، انصرفت عن استذكار دروسي وبدأت أسأل وأفتش عن تفسير لهذا اللغز، وأظنه أنه مازال لغزا للكثيرين من أبناء الأمة الذين تغيب عنهم تضاريس الخرائط السياسية والاجتماعية والثقافية لما نسميهم بعرب 48 أو عرب الداخل أو “عرب إسرائيل”، وتثير الدكتورة عزة بدر هذه الإشكالية، وتستشهد بما قاله الكاتب الراحل رجاء النقاش في كتابه “محمود درويش .. شاعر الأرض المحتلة”، فالعرب لم يرتبطوا بالحزب الشيوعي الإسرائيلي إلا لأنهم لم يستطيعوا تكوين تنظيم سياسي مستقل خاص بهم، فقد رفضت السلطات الإسرائيلية أن تسمح بمثل هذا التنظيم السياسي العربي المستقل، وعندما أقيم تنظيم الأرض، وهو التنظيم الوحيد الذي أنشأه العرب والتفوا حوله قامت السلطات الإسرائيلية بحله وتحريمه تحريما كاملا مما اضطر معظم العرب المشتركين في هذا التنظيم إلى أن ينضموا للحزب الشيوعي الإسرائيلي ما دام هو الحزب الوحيد الذي يمكن أن يسمح للعرب بالانضمام إليه، خاصة وأن هذا الحزب وبعد وقت قصير من قيام الدولة العبرية أصبح المدافع الرئيسي عن حقوق العرب، كما أن صحف الحزب تحديدا الناطقة بالعربية تعبر بصدق عن مشاكل “عرب إسرائيل ” ، خاصة وأن معظم العرب في داخل الدولة العبرية يضعون قضيتهم العربية القومية في الاعتبار الأول طبقا لرؤية صبري جريس في كتابه “العرب في إسرائيل” والتي استشهد بها “النقاش” واستعانت بها عزة بدر في كتابها ، وهم –عرب 48 – إذا انضموا إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي فإنما يفعلون ذلك من أجل خدمة هذه القضية والدفاع عنها.
وما كان درويش فقط بالشاعر الحالم الذي يصبح الحلم سياجا يشطره عن معطيات الواقع وبالتالي القدرة على التعامل معه، بل كان على درجة عالية من النضج، لا أبالغ إن قلت الاستراتيجي، ولقد مس قلم المؤلفة هذا الجانب المهم حين استحضرت كلماته: ليس هنالك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية، المهم هو: ماذا يفعل المنتصر بالنصر، وماذا يصنع المهزوم بالهزيمة، ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي، ولعل بعض الانتصارت أخطر على البعض من الهزيمة لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن.
ويستشهد درويش على صدق ما يقول بالحالة العربية الإسرائيلية: لقد انتصرت إسرائيل على العرب أكثر من طاقتها على تحمل تبعات نصرها، إذ صار دماغها العسكري أكبر من جسدها فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة دون أن تحسب أي حساب لقدرة المقاومة الشعبية، على تحييد هذه القوة، فائض القوة الجشعة هذا يراه العالم الآن جليا في بطش جنرالات الدولة اليهودية بكل ما هو ينبض بالحياة في غزة، أطفالها ونسائها وشيوخها، وحتى العصافير في أعشاشها، لا أحد في غزة غير مستهدف من فائض القوة الإسرائيلية العمياء، لكن ثمة مقاومة قادرة على تحييد تلك القوة الغاشمة، إن لم يكن الانتصار عليها، قوة تتجسد في إرادة البقاء، بقاء الشعب الفلسطيني، إن مات خمسون طفلا صباحا في إحدى مدارس غزة، ينبثق ظهرا من أرحام الفلسطينيات مئات الأطفال، وكل طفل يحمل في يده حجرا !

محمد القصبي

إلى الأعلى