الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / دعوة إجبارية

دعوة إجبارية

كان يوم سبت مكفهرا؛ هبت في صباحه ريح عاصف في المساحات المحيطة بأوكلون، كادت تعانق رؤس الأشجار الأرض، ارتجفت أغصانها، أما أوراقها البنية المثقلة بالماﺀ فكانت تصارع نافذة المكتبة حيثما تنتظر مجموعة من الفتيات مديرة المدرسة لتُحضر البريد.
كانت الأصوات المبتهجة للفتيات والضحكات الخافتة يتردد صداها في أرجاء الغرفة الكبرى حيث إن المَدرسة سوف تُغلق أبوابها بعد أسبوعين بحلول العطلة فكان الجميع يتحدث عن خططه وتطلعاته.
أما روث مانرينج فكانت، كعادتها، تجلس بمفردها بالقرب من إحدى النوافذ، تنظر إلى العشب المكسو بالضباب. فتاةٌ شاحبةٌ، نحيلةُ القوام، يعلو محياها حزنٌ دفينٌ وكانت ترتدي، إلى حدٍ ما، ملابس رثة حالكة السواد. ولم تكن لها صديقةٌ حميمةٌ في أوكلون كما أن الفتيات الأخريات لا يعرفن عنها سوى القليل. ولو أمْعنّ النظر في ذلك كله، لربما قررن أنها فتاة لا تروق لهن، إلا أنهن، بوجه عام، تغافلن عن كثيرٍ من صفاتها.
لم يكن الذنب إطلاقا ذنبهن. كانت روث فتاة مُعْدَمة وكما يبدو أنها بلا أصدقاء، ولم يكن البُؤس السبب في ذلك، حيث أن “لو سكوت،” والتي كانت “فقيرة مثل فأر الكنيسة” على حد تعبيرها الصريح، كانت الفتاة الأقرب إلى قلوب فتيات الاكليريكية، وهي بمثابة الصديقة المقربة من الفتيات المترفات كما أن الجميع كان يسعى لصحبتها. لكن “لو” كانت مرحة، صريحة، عفوية، في حين أن روث كانت متحفظة وخجولة للغاية وهذا هو السر في الأمر كله.
قالت الفتيات “لا يوجد فيها ما يثير الإهتمام” وقد وصل الأمر إلى حد إقصائها من حياتهن الإجتماعية، فكانت تعيش تقريبا بمفردها كما لو أنها الفتاة الوحيدة هناك. لقد ذهبت إلى أوكلون لغرض معين وهو دراسة الموسيقى، وهي تأمل أن تكسب رزقها من خلال تدريسها للموسيقى بعد تخرجها. وهي تعتقد أن الفتيات يزدرينها لهذا السبب؛ وهو ظلمٌ من غير ريب، لكن روث لم تكن تعلم أن برودها وتحفظها هما السبب وراء ذلك.
كانت كارول جولدن في الغرفة، كعادتها، محط إهتمام المجموعةِ المفعمةِ بالحيويةِ والنشاط؛ فكن صديقاتها المفضلات ينادينها أحيانًا بكارول الذهبية، إلى حد ما، بسبب شعرها الذهبي الناعم الجميل ولعذوبة صوتها. كانت كارول واحدة من المدللات في الإكليريكية، ويظهر لروث مانرينج أن كارول تمتلك كل شيء لا تمتلكه هي.
في هذه اللحظة أُحضر البريد ووُضِعَ على الطاولة فتدافعت عليه الفتيات، أعقبه هتاف بالرضا أو خيبة الأمل. وبعد دقائق معدودة أصبحت القاعة شبه مهجورة، ولم يبق فيها سوى فتاتين: كارول جولدن، والتي ألقت بنفسها على أحد الكراسي الوثيرة لتقرأ الرسائل المتعددة التي وصلتها؛ وروث مانرينج والتي لم تصلها أية رسالة ففضلت الإنزواء صامتة عند ذلك الجزء المفضل لديها من النافذة.
في هذه الأثناء أصدرت كارول صيحة سرور خفيفة، حيث إن والدتها قد بعثت لها رسالة تسمح لها بدعوة أيّ من صديقاتها إلى المنزل لتقضي معها العطلة ردا على الرسالة التي بعثتها لوالدتها تطلب منها إذنا بذلك، والآن وقد وصلها الرد فإنها مستعدة بأن ترقص فرحا. ياترى إلى من ستوجه دعوتها؟ لا يوجد سوى خيار واحد، لابد أن توجهها لصديقتها الخاصة، مود راسل، والتي كانت تُعتبر الفتاة الأذكى والأجمل في أوكلون، على الأقل كما قال معجبوها. كانت من غير شك هي الفتاة الأكثر ثراء والقائد المُعتبر وكانت الفتيات يُطلقن عليها “الأميرة،” بكل صدق ومودة، وقد افتتنت كارول بها بسبب التأثر العاطفي الذي لايوجد إلا بين فتيات المدرسة. كما أنها تُدرك، أيضا، بأن مود ستلبي دعوتها بالتأكيد لأنها لاتنوي الذهاب إلى منزلها، حيث أن والديها مسافران إلى أوروبا وتتوقع أن تقضي عطلتها مع بعض أقاربها، الذين يُعتبرون تقريبا غُرباء عنها.
كانت كارول في قمة السعادة وقد خالجها شعور بأنها يجب أن تتحدث إلى شخص ما، ولذلك اتجهت إلى روث.
“ألا يبعث التفكير سرورا في أنه لم يبق أمام عودتنا إلى منازلنا سوى أسبوعين؟”
فردت عليها روث بكآبة “بلى، لأولئك اللاتي لهن منازل يؤبن إليها”
شعرت كارول بوخزة سريعة من الشفقة وتأنيب الذات. وتسائلت “أحقا ماتقولين؟”
هزت روث رأسها. ورغما عن أنفها، انهمرت دموع عينيها بسبب لطف نبرة كارول.
وقالت بصوت مرتجف “لقد فارقت أمي الحياة قبل عام واحد، ومن يومها لم يكن لي منزل حقيقي. كنا بمفردنا في هذا العالم، أنا وأمي، والآن ليس لي أحد.”
فصاحت كارول باندفاع وقالت “يا إلهي، يؤسفني جدا ما أصابكِ.” وانحنت للأمام وتناولت يد روث بلطف وقالت “أتقصدين أنه يتوجب عليك البقاء هنا طوال هذه العطلة؟ يا للعجب، سيكون أمرا بشعا.”
فقالت روث بسرعة “لا أكترث كثيرا بذلك، مع إنهماكي في الدراسة والتدريب طوال الوقت. الآن فقط، عندما يتحدث الجميع عن العطلة، أتمنى لو أن لي مكانا أذهب إليه.”
تركت كارول فجأة يد روث تحت تأثير فكرة مفاجئة لمعت في عقلها.
مرت فتاة عبر القاعة ونادت “روث، تود الآنسة سيفيتر رؤيتك لشيء ما في الغرفة ج.”
حينها وقفت روث بسرعة حيث أنها شعرت بالسرور أن تبرح المكان. لقد بدا لها أنها سوف تنهار كليا لو بقيت دقيقة أخرى.
وبالكاد لاحظت كارول جولدن رحيلها. جمعت رسائلها وذهبت إلى غرفتها مشغولة البال غير منتبهة للنداء المرح من قبل مجموعة من الفتيات في الرواق. ولم تكن مود راسل موجودة مما بعث هذا سرورا إلى قلب كارول حيث أنها ترغب في أن تكون بمفردها لكبح الفكرة المفاجئة التي راودتها.
“إنه أمر يبعث على السخرية أن أفكر فيه،” قالت بصوت عال مع فظاظة غير مألوفة في طبيعة جولدن كارول حيث كان طبعُها مُشرقا كمظهرها. وأضافت “لِمَ بكل بساطة لا أستطيع. كنت أتوق دوما لدعوة مود لزيارتي، والآن وقد سنحنت لي الفرصة بذلك فلن أقم بإضاعتها. صحيح أنني أشعر بالشفقة تجاه روث. فبقاؤها وحيدة على هذه الحال لابد أن يكون مرعبا. لكنه ليس خطأي. كما أنها فتاة هادئة لأبعد الحدود وملابسها بالية- كيف ستكون ردة فعل الجميع عنها في المنزل؟ حيث أن فرانك وجاك سيسخران منها. ولذلك، سوف أدعو مود أن تأتي لزيارتي فور دخولها.”
وفي تلك الأثناء دخلت مود، لكن كارول لم تسلمها الدعوة. وبدلا من ذلك، كادت أن تصب جام غضبها على صديقتها، وخرجت الأميرة عاجلًا مرة أخرى وهي في حالة من الغضب.
فصاحت كارول “آهٍ، عزيزتي، الآن وقد جرحت مشاعرها. ماذا حدث لي؟ كم هو كريه وسيء الطبع هذا الضمير. بالرغم من أنني متأكدة من جهلي بالسبب الذي يحث ضميري على ذلك! لا أريد أن أدعو روث مانرينج إلى منزلي في العطلة، لكنني أشعر تماما أنني لن أهنأ براحة البال دقيقة واحدة طوال الوقت إن لم أوجه الدعوة لها. قطعا ستظن أمي أن كل شيء على ما يرام. ولن تمانع إن لبست روث ثوب الكاليكو ولن تنبس ببنت شفة سوى بكلمتيْ نعم ولا. ولكن كيف ستكون ضحكة الأولاد عليها! بكل بساطة لن أقوم بدعوتها، شاء ضميري أم أبى!”
وفي ضوء هذا القرار فمن الغريب جدا أن تذهب كارول جولدن صبيحة اليوم التالي إلى غرفة روث مانرينج الصغيرة الوحيدة في الرواق الثاني وتقول لها “روث، أيمكنك الذهاب معي للمنزل لقضاء العطلة؟ فقد أرسلت أمي لي رسالة لدعوة أي شخص أريده. لا تقولي أنه لايمكنك الذهاب معي عزيزتي لأنه يجب عليك قبول الدعوة.”
لن تنس كارول، طوال عمرها، وجه روث في تلك اللحظة.
حيث أفادت كارول بعدئذ “لقد تغيرت تقاسيم وجهها بشكل كامل، ما رأيت أحدا قط في حياتي يبدو بتلك السعادة الكبيرة.”
وبعد أسبوعين ساد الصمت أوكلون على غير العادة. حيث تفرقت الفتيات كلٌ إلى وجهته، أما روث مانرينج وكارول جولدن فقد إتجهتا إلى منزل الأخيرة.
كانت كارول قد تفاجأت كثيرا. فتحت تأثير الشفقة والسرور، بدا أن روث قد تحولت إلى شخص آخر. فقد تلاشى خجلها وتحفظها في الجو المَرِح لمنزل جولدن. أخذتها السيدة جولدن بين حنايا قلبها الرؤوم فور وصولها؛ وأما فرانك وجاك، والتي جَزَمَت أنهما سينظران إليها نظرة مقِيتة، فقد أفادا أن روث “رائعة.” حيث أنها أنسجمت معهما كثيرا؛ وحتى وإن لم تخلق الإحساس الإجتماعي إلى حد كبير كالذي قد تخلقه مود راسل، إلا أن جميع أفراد عائلة جولدن فُتنوا بها كثيرا وكانت كارول راضية عنها.
وفي ظهيرة أحد الأيام تنهدت كارول وقالت “تصوري ياروث أنه لم يبق أمامنا سوى أربعة أيام، يجب بعدها أن نعود إلى أوكلون. هل تدركين ذلك؟”
أزاحت روث ناظريها عن كتابها بابتسامة فحتى مظهرها قد تغير. وكان لونا ورديا يعلو خديها، وفي عينيها شعاع مرح.
فقالت “لن أندم على العودة للعمل، أشعر برغبة في ذلك لأنني قضيت وقتا ممتعا هنا جعلني أستعيد نشاطي للفصل القادم. أعتقد أنه سيكون فصلًا دراسيا مختلفًا تماما عن الفصل الماضي. بدأت أدرك بأنني كنت أعيش في معزل عن الآخرين بصورة مبالغ فيها وأطلت الاستغراق في عالم الخيال.”
فقالت كارول “ستتجولين معي بما أن مود لن تعود، سنقضي وقتا ممتعا معا. هل سبق لكِ أن قمت بتحميص حلوى المارشملو على الفرن؟ أعتقد أن السيد سويفت قادمٌ. انظري يا روث! إنه أغنى رجل في وستلي.”
اختلست روث نظرة من النافذة من أعلى كتفي كارول.
وقالت بذهول “يذكرني بأحد ما، لكنني لا أستطيع أن أتذكر من هو. بطبيعة الحال، لم أره من قبل. ما أجمل محياه!”
فقالت كارول بحماس “إنه رجلٌ جوهره كمظهره. فالسيد سويفت هو الرجل الأكثر لطفا في العالم بعد الأب. كنت دوما إحدى البنات المدللات لديه. لقد توفيت زوجته ولم تكن لديه سوى طفلة واحدة وكانت فتاة رائعة إلا أنها توفيت منذ عامين. وبوفاتها كاد أن ينفطر قلب السيد سويفت حزنا عليها. ومنذ ذلك الوقت عاش وحيدا في ذلك البيت المنيف الواقع عند رأس شارع وارنر، إنه الرجل الذي أُعجبت به كثيرا ياروث عندما كنا نتجول آخر مرة في أعلى المدينة. إن الجرس يدق للمرة الثانية ويبدو أن ماري لايمكنها سماعه. سأذهب بنفسي لاستقباله.”
وبينما كانت كارول تدعو الزائر للدخول إلى الغرفة، إذا بروث تقوم وقوفا لتغادر المكان وصادف أن التقيا، هي والسيد سويفت، وجها لوجه. فجفل منها بشكل ملحوظ.
فقالت كارول “السيد سويفت، هذه صديقتي في المدرسة، الآنسة مانرينج.”
بدا السيد سويفت مندهشا على نحو يدعو إلى الاستغراب بينما كان يمسك يد روث التي قدمتها له على استحياء.
فقال على عجل “عزيزتي الشابة، سأسألك سؤالا قد يبدو غريبا للغاية. ما اسم والدتك؟”
” أجنيس هاستينجز،” هكذا أجابته روث.
وقد ظنت كارول بأن السيد سويف قد فقد صوابه بعد أن جر روث بين ذراعيه وقبّلها.
وقال “أعرفها، كنت متأكدا أنك ابنة أجنيس، حيث إنكِ الصورة الحية لأمك كما كانت، عندما رأيتها آخر مرة. طفلتي، أنت لاتعرفينني، فأنا خالك روبرت. كانت أمك أختي غير الشقيقة.”
عندها صاحت كارول “يا إلهي!” ثم ركضت إلى أمها.
اصفر وجه روث وألقت بنفسها على الكرسي وجلس السيد سويفت إلى جانبها.
“لقد وجدتك أخيرا، طفلتي. تبدو عليك الحيرة. ألم تخبرك أمك عني؟ كيف حالها؟ أين هي؟”
فقالت روث.. “توفيت أمي العام الماضي”
“يا للمسكينة! لم أكن أعلم بذلك! لاتبكي أيتها الفتاة الصغيرة. أريد منكِ أن تخبريني كل شيء عنها. كانت تصغرني بكثير، وبعد وفاة والدتنا غادر زوج أمي وأخذها معه. وقد أقمتُ أنا مع أقارب والدي وبعدها فقدت كل أثر لأختي. كنت فتى مُعدما ثم تحسنت الأمور معي وقد حاولت جاهدا العثور عليها.”
في أثناء ذلك كانت كارول قد عادت ومعها والدها ووالدتها وكان هناك مشهد يمتزج فيه الضحك بالبكاء ولست أدري أي الفتاتين، كارول أم روث، كانت أكثر سرورا. أما بالنسبة للسيد سويفت فقد كاد يطير فرحا لعثوره على ابنة أخته وكان يود أن يأخذها معه على الفور إلا أن السيدة جولدن أصرت على بقائها حتى ينتهي موعد زيارتها. وعندما جاء الحديث عن العودة إلى أوكلون، لم يكن السيد سويفت موافقا في البداية، إلا أنه في النهاية أذعن إلى توسلات كارول ورغبة روث الشخصية.
“سوف أتخرج العام القادم، خالي، حينها يمكنني العودة والعيش معك نهائيا وإلى الأبد.”
في ذلك المساء وبينما كانت روث لوحدها في غرفتها، تحاول لملمة أفكارها مدركة بأن البيت والمحبة التي تاقت إليهما، قد نالتهما في النهاية، كانت جولدن كارول مع أمها في الغرفة السفلية، يُقَلِّبان الأمر.
“تخيلي أمي لو لم أطلب من روث زيارتنا، لما حدث هذا. ففي البداية كنت راغبة عن دعوتها لزيارتنا، حيث أنني كنت أود دعوة مود وقد خاب أملي كثيرا عندما لم أتمكن. وفي حقيقة الأمر لم أتمكن. كما أنني لا أستطيع تذكر النظرة المرتسمة على عينيْ روث عندما قالت بأنه ليس لها بيت يُؤويها ولذلك طلبت منها زيارتنا بدلا من مود. كم كان الأمر سيكون بغيضًا لو لم أطلب منها ذلك.”

تأليف: لوسي مود مونتجمري ترجمة: سليمان الخياري

إلى الأعلى