الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر لـ ” أشرعة “:

الروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر لـ ” أشرعة “:

صاحب رواية “6000 ميل” الفائزة بجائزة أفضل رواية عربية لعام 2013
“المفارقة أن تشعر بالغربة في وطنك .. وتعيش وطن الآخر في غربتك..”

” لا شيء يوجعنا مثل الواقع.. لذا أراني واقعيا فيما أكتب.. وأرى أن على الكاتب أن يتعامل مع واقعه بالصدمة”..
دمشق من وحيد تاجا :
في حديثه عن البدايات يقول الروائي محمد مهيب جبر ” انا من جيل النكبة، والذي أخذني للكتابة هو النكبة ذاتها وأوجاعها ..” ، وينفي تشاؤمه في معظم ماكتب ويقول في حواره مع ” اشرعة” انا لست متشائماً بطبعي، ولم اكن كذلك أبدا.. بل انا ممن يرددون دوما ان الإنسان العظيم هو الذي يبتسم ودموعه على وشك الانهيار.. وعن التزامه بالكتابة عن الواقع يضيف ” لا شيء يوجعنا مثل الواقع.. لذا أراني واقعياً فيما اكتب.. وارى ان على الكاتب ان يتعامل مع واقعه بالصدمة”..ويؤكد ان المطلوب من الرواية أساساً.. تشخيص الواقع وطرح الأسئلة .. و إيجاد الحلول..بل وأكثر احيانا ..ويذكر انه صدر للأديب محمد مهيب جبر المقيم في دولة الإمارات العربية روايتان : ( 90 ـ 91 ) و رواية ( 6000 ميل ) الحائزة على جائزة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية لعام 2013، وذلك خلال افتتاح الدورة 32 لمعرض الشارقة الدولي .

* هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن البدايات .. من الذي أخذك إلى الكتابة، ومن أغراك بها؟!..

** انا من جيل النكبة، والذي أخذني للكتابة هو النكبة ذاتها وأوجاعها .. قصصها التي كنت اسمعها من والدتي.. وفي حكايات أعمامي الذين كانوا يجتمعون كل مساء في بيت أكبرهم في المخيم الذي عشنا فيه.. وفي حكايات الذين هجروا وهم يروون قصص المعاناة والعذاب وهم هاربون من الخوف والرعب.. كنت أتخيل المأساة بحجمها الكارثي .. وعندما بدأت أعي رحت مع أخي الأكبر نجوب المكتبات لنقرأ القصص والكتب بالأجرة.. كنا نقتسم مصروفنا المدرسي بين الطعام واستئجار القصص والكتب بحثا عن روايات واشعار تشرح لي ما الذي حدث بالضبط في فلسطين؟ ولماذا الفلسطينيون؟ وقد انشأ هذا علاقة حميمة بيننا وبين أصحاب المكتبات الى ان صرت قارئا مياوما في مكتبة بلدية نابلس، حيث بدأت التقي كتابا وشعراء معروفين كان من أبرزهم الراحلة فدوى طوقان والراحل عبداللطيف عقل وغيرهم كثيرون، وهو ما ساعدني على ان ابدأ الكتابة في سن مبكر في صحف “الشعب” و”الفجر” اللتان كانتا تصدران في القدس، وكان عمري 16 عاما آنذاك. فامتزج لدي العمل الأدبي بالصحافي منذ ذلك الحين.

* ما الذي كنت تبحث عنه في انتقالك من القصة إلى الرواية ..وهل حققت لك الرواية مالم تحققه لك القصة .. ؟

** فارق كبير بين الرواية والقصة القصيرة وان كان كلاهما ينتميان لجنس واحد هو السرد .. القصة القصيرة هي علاقة عابرة مع الزمان او المكان.. لكن الرواية هي علاقة ارتباط طويلة الأمد معهما.. القصة القصيرة هي مقال في صحيفة ولكن الرواية هي الصحيفة نفسها.. وعندما كتبت القصة القصيرة كنت اعرف ان حدودها لا تتعدى حدود حي او مدينة، بينما كنت مدركاً ان حدود الرواية هي بحدود الوطن، ولا أرى اني انتقلت من احدهما للأخر لأني ظللت ساكنا في الوطن نفسه.. انما في الرواية كنت أتجول في حارات الوطن وشوارعه وتضاريسه، وبين أهله بمدى أوسع. ولعل هذا ما تحققه الرواية للكاتب.. إنها تفتح أمامه حدوداً لا آفاق لها للتعبير عن كل تلك الأفكار التي تتزاحم في رأسه.. وليس كما هو الحال مع الصحفي الذي تولد فيه رأسه فكرة اليوم فيكتبها مقالاً في الصحيفة دون الحاجة للتجول بعيداً خارج حدود المساحة التي يسمح له بالتحرك فيها.

* بدوت متشائما جدا في مجموعتك ” اغتراب ” وكما تقول ” المفارقة أن تشعر بالغربة في وطنك .. وتعيش وطن الأخر في غربتك ..هل يمكن إيضاح هذه المقولة…؟

** أولا انا لست متشائماً بطبعي، ولم اكن كذلك ابداً.. وانا ممن يرددون دوما ان الانسان العظيم هو الذي يبتسم ودموعه على وشك الانهيار.. وبالنسبة لمجموعة “اغتراب”، فان كل قصصها التي نشرت على الانترنت لم تتعامل مع التشاؤم بالمفهوم المجرد، وانما بألوان المعاناة التي يعيشها المغترب عن وطنه، وهو ما يؤدي الى شعوره بالإحباط الدائم، والذي وصفته انت إحباطا.
اما المفارقة التي أشرت إليها فهي ناجمة عن ان الإنسان الذي يعيش خارج وطنه يصبح معلقا في فضاء لا تثبت إقامته فيه.. والكثير ممن يبتعدون كثيرا عن الوطن عندما تسألهم حين عودتهم إليه بعد فترة غياب طويلة عن شعورهم بعد ان يعودوا اليه يجيبونك بأنهم يشعرون كما لو انهم مثل غرباء فيه.. اما ذاك الوطن الغريب الذي عاشوا فيه وكبروا فيه وربما تناسلوا فيه فان يظل لا يعترف بهم مواطنون مثل ابنائه.. وهكذا من يخرج من وطنه هو تماما مثل السمكة التي تخرج من مائها.. وتكون المسافة بينها وبين الموت مسألة وقت لا اكثر..

* ايضا في ” انشباك” والتي تناولت تأثير ثورات الأقمار الصناعية والاتصالات والحاسوب على السلوك الإنساني..لم تكن اقل تشائما ..بل كنت ضد التقنيات الحديثة..حتى الشخص الذي حاول التآقلم مع هذه التقنيات في قصة ” العودة الى الجنة ” كان مصيره الجنون ..؟

** من قال اني كنت ضد التقنيات الحديثة؟ لو أمعنت النظر في القصة نفسها التي تشير إليها لوجدت اني خلصت إلى أن الوسيلة التكنولوجية الحديثة التي كادت تقضي على مشاعرنا الإنسانية هي نفسها الوسيلة التي تملكها البشرية لإنقاذ نفسها.. فعبدالعليم الذي حاول العودة الى البدايات بهروبه الى الصحراء أخيرا هربا من التكنولوجيا ما كان ليتم العثور عليه لولا أجهزة الملاحة “جي بي اس” التي حددت مكان وجوده بدقة حيث وصلته طائرة الإنقاذ.
وبالعودة الى التشاؤم، فان نهاية القصة هنا فتحت بابا للأمل لا بابا للتشاؤم.

* ملفت استخدامك عنوانا رقميا لرواياتك ( 90 ـ 91 ) و ( 6000 ميل ) لماذا ؟

** لست أول من لفت نظره استخدامي للأرقام كعناوين للروايتين.. فقد سألني الكثير عن هذا الامر، ولكن الأرقام جاءت هنا من واقع الأحداث.. فالرواية الأولى “90-91″ تدور كل أحداثها في العامين 1990 و1991، وهما عامان شهدا أحداثا كثيرة غيرت وجه العالم كله الا في فلسطين حيث ظل الاحتلال وظلت المقاومة.
اما رواية “6000 ميل” فهي المسافة بين فلسطين وجزر المارتينيك التي يعيش فيها بطل الرواية بعيدا عن وطنه فلسطينياً في وطن آخر.

* تعتمد الواقعية في كتاباتك، و تقول ” لا شيء يوجعنا مثل الواقع.. لذا أراني واقعياً فيما اكتب.. وارى ان على الكاتب ان يتعامل مع واقعه بالصدمة”..والسؤال الى أي مدى يمكن ان تتدخل مخيلة الكاتب الإبداعية في رسم هذا الواقع ..؟

** يرى الكاتب في الواقع ما لا يراه غيره.. وهذا ما يجعله كاتبا.. فكل ما يمكن له ان يتخيله هو شيء واقعي في الأساس.. والخيال أحيانا أقوى من الواقع كما هي الأسطورة أقوى من التاريخ، وكما هو الحلم أقوى من الحقيقة، وعندما يعبر الكاتب بالخيال عما يوجعنا في الواقع فانه يرسم لنا طريقا للخروج..وهذا هو التداخل كما أراه.

* ولكن البعض يرى ان جزءاً كبيراً من همّك في رواية ( 90 ـ 91 ) كان منصباً على توثيق الأحداث، وذلك في السعي الى نقل تفاصيل المكان، متخلّلاً جوانب من الوثائقيّة التاريخيّة، ما جاء على حساب الخيال الفنّيّ في العمل.. ما رأيك ..؟

** رواية “90-91″ كما ذكرت سابقا تتناول أحداث عامين محددين في عنوانها.. ففي هذين العامين حدث غزو الكويت وحرب “عاصفة الصحراء، و انهار الاتحاد السوفياتي وتفكك الى جمهوريات نالت استقلالها تباعا.. وتوحدت ألمانيا وشطري اليمن.. وتغيرت نظم وأفكار.. وحلت القطبية الواحدة مكان سياسة القطبين وصار العالم محكوما لقوة واحدة.. الا في فلسطين حيث بقي كل شيء على حاله.. ولهذا كان لا بد من التوثيق التاريخي في السياق السردي الروائي لكي لا تتحول الرواية الى مجرد دراسة او بحث تاريخي، وهذا بالطبع اثر على الخيال الفني.

* هناك اتكاء واضح في هذه الرواية على الذاكرة الشعبية والمخزون الحكائيّ للفلسطينيّ، وهي ” ظاهرة” أصبحت شبه سائدة في الرواية الفلسطينية الحديثة .. ماقولك..؟

** هذا صحيح، ومبعث هذا ان الجيل الجديد من الكتاب الفلسطينيين يعمل جاهدا على إيقاظ الوعي الوطني الفلسطيني في مواجهة الرواية الصهيونية التي تحاول السطو على الذاكرة الفلسطينية وإنكارها او تزييفها، ولهذا تبرز الحاجة الى التمسك بهذه الذاكرة وبالمخزون الحكائي الفلسطيني خاصة وان الأدب الفلسطيني بات يجد مكانه في ساحات الأدب العالمي.. وهو أفضل وسيلة نواجه بها الرواية الصهيونية التي عاثت فسادا وكذباً في هذه الساحات بادعاء ان كل ذلك من موروثها الخاص.

* قليلة هي الأعمال استطاعت تناول مسألة العمالة للاحتلال بهذا ألأسلوب الروائي الممتع وتسليط الضوء على الطرق التي يتبعها الكيان الصهيوني لإيقاع العملاء .. ومن ثم الضغوط النفسية التي يتعرض له الساقط في براثن العمالة..؟

** سؤالك هذا يقودني الى ما قلته عن دور الكاتب في مواجهة الواقع بالصدمة.. المشكلة اننا في قضايا مثل العمالة، والسلوكيات الشائنة بشكل عام، نحاول تنظيف الصورة هربا من الإدانة او رغبة في التطهر.. ولهذا قلما يتحمس الكثير من الكتاب عن الخوض في قضايا شائكة كهذه كي لا تفسر مواقفهم او طرحهم لها تفسيرا يرتد عليهم وقد يطال حياتهم.. ولهذا تجد القليلين ممن يكتبون في هذه القضايا.. ولكن الكاتب يجب ان لا يهرب من قضايا واقعه، وعليه ان يعريها ويكشفها حتى لو مثل ذلك صدمة لمن يقرأه.. فما الكتابة الإبداعية غير ما يصدم؟

* في ذات الرواية استحضرت في سياق الأحداث مشاهد من سقوط مدينة نابلس تحت الاحتلال عام 1967 . لماذا اخترت نابلس بالذات دون غيرها من المدن الفلسطينية المحتلة ..؟

** لا يوجد سبب خاص، ولكن نابلس هي المدينة التي ولدت فيها.. وعشت هزيمة حزيران وأنا فيها.. وأحداث الرواية تجري في ربوعها.. وقصة المقدم في الجيش الأردني صالح عبدالله شويعر، وهو من بني شمر، والذي أطلق عليه النابلسيون اسم “ابوهاشم” تستحق ان توثق لان هذا البطل الأسطوري واجه بمفرده رتلا عسكريا إسرائيليا لعدة ساعات ولم يستسلم حتى استشهد. وقد حدثت هذه المواجهة البطولية في وادي التفاح، مدخل نابلس من جهة الغرب. ولهذا جاء الحديث عن سقوط المدينة في سياق تذكر ذلك اليوم الذي سقطت فيه.

* كان هناك تركيز شديد على محاولة إبراز جوانب القهر الاجتماعيّ التي يتعرض لها الفلسطيني، ومقاربة العادات التي فرضت على الفلسطينيّين في ظلّ الاحتلال، بحيث يصبح الفلسطينيّ صورة مؤطّرة لما يريده العدوّ، ويظلّ مكبّلاً بعقده وأوهامه وعلله..إلى أي مدى ترى ان العدو الصهيوني نحج في محاولته تلك..؟

** هذه مهمة أية قوة احتلالية في العالم وليس في فلسطين فقط.. ولكن في فلسطين حدث أبشعها.. لان الصراع القائم هو صراع بين قوميتين/ ثقافتين/تتنازعان على الأرض نفسها.. ولان الاحتلال هو الأقوى في جميع الحالات فانه يحاول ان يفرض أسلوب الحياة الذي يريده بالقوة والرعب، وهو لا يتوقف عن ذلك حتى بعد انسحابه لو حدث.. فهو يواصل العمل من خلال أدواته وعملائه.

* على صعيد تقنية الرواية فان تقسيمك الرواية إلى ثلاثين فصلا وإعطائها عنواين فرعية: عصفور في عسقلان، بانتظار الحقيقة، قراءة سياسيّة، اغتيال عالم ذرّة، تداعيات ذكرى… بحيث بدا كلّ فصل قصّة بذاته في دائرة الرواية المنفتحة على المكان بأهله وأغواره .. ؟

** عنونة الفصول هو احد تقنيات البناء الكلاسيكي للرواية، وانا كنت كلاسيكيا في رواية “90-91″ لان الأحداث كثيرة وكانت تجري بالتوازي في معظم الأحيان، لذا كان الأمر يتطلب إعطاء كل فصل حقه لأنه في بعض الأحيان لا يكون متصلا مباشرة بالفصل الذي يليه. وهذا ما جعلني اعنون الفصول.

* مسألة الغربة والاغتراب لم تكن بعيدة ابدا عن أجواء روايتك ( 6000 ميل) ..فهي تشي بصعوبة انغراس البطل ( بيت مارتينيك ) في الأمكنة الأخرى، وبإلحاحية استعادته لتاريخه عن طريق المساءلات المطروحة دوما على الذات هي تحاول أن تتذكر تفاصيل التاريخ وتعيد بناءها وفق رغبة المساءلات وما تخبر عنه من غربة رهيبة وثقيلة بإحراجاتها الوجودية المبطّنة بالتيه..؟ .

** هناك إشكالية في مسالة انتماء بطل الرواية “بيت مارتينيك” للوطن.. فجزر المارتينيك صارت وطنه بالولادة والجنسية لانه ولد وكبر فيها، ولذلك لم يكن يعيش في غربة وإنما في وطن لا يلغي الوطن الأول، وطن والده الذي تركه له دون ان يعرف عنه شيئاً، بل ولا يعرف حتى اسم العائلة التي يسري دمها في عروقه.. ولهذا جاء لكي يعرف نفسه.. لكي يعرف هذا الوطن وهذه العائلة.. وعندما عاد في نهاية الرواية الى الوطن الذي ولد فيه وسأله شرطي الجوازات من اين هو قادم،رد عليه بأنه قادم من وطنه فلسطين.. فهنا اذن مكانين مختلفين للوطن، وهذا ما يتنافي مع الواقع، لكن الرواية حلت هذا الأشكال بأنه الوطن ذاته تحت السماء ذاتها، وهو لم يبتعد عن الوطن الأول فلسطين إلا قليلا تحت السماء الواحدة ذاتها.

* في الرواية ذاتها، كان ملفتا جدا طريقة طرحك او تعرضك للعلاقة بين الفلسطيني واليهودي ومفهوم كل منهما للوطن والهوية خلال لقائهما في الطائرة .. كيف تنظر الى تلك العلاقة ..؟

** هذا اليهودي كان عائدا من زيارة لفرنسا.. فهو باعتباره ولد في هذه الأرض ودافع عنها فانه يعتبرها أرضه ووطنه هو الاخر، وهو بالتأكيد كان يراها بطريقة تختلف عن الطريقة التي كان يراها “بيت مارتينيك”.. وحتى في مرافقته له في الطريق فيما بعد كان هو يرى الأماكن بعين عبرية بينما كان “بيت مارتينيك” يراها بعيون والده العربية علما بان المكان هو نفسه ولكنه كان ينطبع في دماغ كل منهما بمعنى ومفهوم مختلف.

* رأى البعض ان هذه الرواية تسعى إلى إعادة الاعتبار للتاريخ من خلال التركيز على الأرقام المشيرة إلى الذات ووجودها الحقيقي في الواقع قبل أن يتحوّل إلى رواية تاريخية تتلاعب بها الرؤية الصهيونية لمصلحتها (، كأن الأرقام هي الأداة الوحيدة القادرة على إحياء ما اختفى في الذاكرة وتثبيت أحداثها بالرواية الفلسطينية..؟ ماقولك .؟

** الحقيقة ان هذه الرواية سعت الى طلب الاعتذار من التاريخ للكارثة التي حلت بالفلسطينيين ولم يرأف بنكبتهم أحد.. والأرقام الحقيقية التي أشرت اليها جاءت لتستفز هذا التاريخ وتوقظه من سباته كي ينهض ويعترف بمقدار العذابات والآلام التي لحقت بالفلسطينيين وهم يجرون صليب نكبتهم دون ان يكترث لمأساتهم احد، لكن للأسف، فان الرواية أظهرت ان جزءا كبيرا من هذا التاريخ دفنته الجرافات التي راحت تزيف الأماكن بالبنايات الحديثة وناطحات السحاب التي أقيمت على عجل ليحل قوم محل قوم آخر ويحاول إخراجه من حياته إلى الأبد.

* تعتمد في كتاباتك كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق.. ؟

** الحوار الداخلي للشخصية يكشف طريقة تفكيرها والموقف الذي يجعلك تتعاطف مع أفكارها او تتعارض معها.. وفي الروايات التي لا يكثر فيها عدد الشخصيات نجد ان مثل هذه الحوارات تكثر بين الشخصية ونفسها.. وكما قلت، فان مثل هذه الحوارات تعطي الكاتب فرصة لطرح فلسفته الشخصية أيضا.

* بالتالي. . ما هو المطلوب من الرواية أساساً.. تشخيص الواقع وطرح الأسئلة .. أم إيجاد الحلول..؟

** مطلوب من الرواية كل ذلك ، وأكثر أحيانا. فالرواية في بعض الأحيان تشبه العملية الجراحية، ومطلوب من الطبيب قبل ان يباشر العمل بمشارطه ان يكون قد شخص الحالة تماما بالتفصيل، وان لا يخطئ في الجراحة، وان ينهيها بنجاح، ثم يتابع العلاج حتى الشفاء التام.. ولهذا فقد يتطلب الأمر أحيانا أكثر من رواية حول قضية واحدة حتى تصل الى بغيتها النهائية.

* تعتمد التبسيط الكبير في اللغة بشكل عام سواء في الرواية او في القصص .. هل هي سمة وميزة ام ان العمل يفرض مستوى اللغة وتراكيبها ..؟

** لقد أمضيت معظم سنوات حياتي في العمل بالمجال الإعلامي، الصحفي والإذاعي والتلفزيوني ايضا، وقد اعتدت قبل ان اكتب ان اسأل نفسي السؤال نفسه دائما: من سيقرأ هذا؟ وكنت اعلم انني أتوجه الى اكبر شريحة من القراء بغض النظر عن الفارق في السن والجنس والمستوى التعليمي.. ولذا كنت ابحث عن الأبسط لما يوصل ما اكتبه للقارئ بشكل أسرع، وهذا ما يعرف أحيانا باسم “السهل الممتنع”.. وبالتأكيد فان العمل الإعلامي ترك أثره في كتابتي، وهذا ما تراه واضحا في رواية “90-91″ بالتحديد.

* يلعب المكان .. أيضا ، دورا ملحوظا في الرواية.. حيث ” تتناول علاقة الإنسان بالمكان من منظور ان المكان هو الذي يتعرف على الإنسان حينما لا يعرفه الإنسان..؟

** هذه إشكالية واجهت ” بيت مارتينيك “بطل رواية “600 ميل” وهو عائد، فهو لم ير وطنه قط، ولا مسقط رأس والده، وأمه كذلك لم تكن سارت يوما على طرقات هذا الوطن.. فكان يخشى ان لا يعرفه.. لكن القراءات والأبحاث التي قام بها ساعدته في التعرف على الأمكنة بسهولة، كما ان هذه الأمكنة بانتمائه الروحي والوجداني لها ساعدته في ان يعرفها معلما معلما.

* اعتمادك على أسلوب السرد القصصي في رواياتك يظهر وكأنك على علم كامل بتفاصيلها ..والسؤال: هل تكون ” الحكاية ” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك ام انها تتشكل أثناء الكتابة..؟

** انا اضع مخططا للرواية بفكرتها وشخصياتها وأحداثها وأماكنها قبل ان أباشر الكتابة فيها.. حتى إنني احدد عدد الفصول أحيانا كما يرسم المهندس المعماري بناية من عدة طوابق، وعندما أبدأ الكتابة يكون معلوما عندي ما الذي سأكتبه في هذا الفصل وكيف سأنهيه..

* هل تستطيع القول بان محمد مهيب جبر ينتمي للرواية الفلسطينية الجديدة أو للرواية العربية الجديدة مثلاً؟

** الرواية هي الرواية، فلسطينية المحتوى كانت ام عربية ام عالمية، وأنا كاتب لأعمالي ولست بناقد لها، ولذلك اترك مهمة التصنيف للناقد لان أعمالي صارت من صميم عمله.. وهو الذي يحدد اين أقف وما الذي انتمي إليه في فضاء الرواية.

إلى الأعلى