السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / سرقة المواهب هي التي صنعت الرفاهية

سرقة المواهب هي التي صنعت الرفاهية

ابراهيم بدوي

بعيدا عن أميركا، فقد فازت فرنسا أمس الأول بكأس العالم بفريق قوامه من الفرنسيين من أصول إفريقية، أو من كان يسميهم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بحثالة الضواحي، أو ممثلة اليمين الفرنسي التي اقتربت من الفوز مرتين متتاليتين بالرئاسة الفرنسية ودخلت الإعادة هي ومن قبلها أبوها بفضل دعواتها الدائمة لطرد هؤلاء، ولكن من أعطاها الأصوات سنراه اليوم يستقبلهم استقبال الأبطال، وبالتأكيد نصفهم مسلمون يصفهم الإعلام الفرنسي ليل نهار ويوصمهم بالإرهاب، لِمَ لا؟

ملأ الأوروبيون الدنيا ضجيجا وقدموا معونات أقرب إلى الرشاوى من أجل أن يتوقف سيل المهاجرين من دول المشرق، خصوصا في قارة إفريقيا، ونسي الأوروبيون وهم في قمة مخاوفهم من أن تتأثر حالة الرفاهية التي يعيشونها هم ومواطنوهم، أن هذه الرفاهية التي يحيون بها جاءت جراء عقود طويلة من الاستعمار لتلك البلدان الغنية بالموارد والبشر، لكن هؤلاء البشر القادمين من القارة السمراء لم يجدوا مستقبلا في أوطانهم المسلوبة قديما بفعل الاستعمار، وحاليا بفعل عملائه في الداخل والشروط الاقتصادية التي تزيد من هوة الفارق بين الغرب والشرق، فقد دفعهم ضيق الحياة والحكم غير الرشيد في بلدانهم إلى الهروب عبر البحر في أمل لحياة جديدة، حتى لو كلفهم ذلك حياتهم.
إن سيل المهاجرين الذي يجتاح العالم هو نتاج طبيعي لحالة الاستعباد تجاه دول الشرق منذ قرون طويلة، حتى بعد إلغاء العبودية والرق، وصولا لمرحلة التحرر الوطني، فثروات الشرق هي الغاية، وحتى يستنفدها الغربيون يحتاجون دوما إلى خطط تزيد من الفقر والجهل والمرض في دول المشرق، بحيث يكون المواطن الإفريقي مثلا ـ رغم ما يملكه من قدرات وثروات في بلده ـ غير قادر على التقدم في منظومة تساعده على بناء مستقبل مستقر، فيظل رهنا للغرب. وتظل الدول الغربية قبلته التي يحج إليها، فهنا يتحول المتميزون إلى سلعة جديدة يمتصها الغرب، ويتم الاستفادة منها لتصب في مصلحة المواطن الغربي عموما والأوروبي على وجه التحديد.
أتذكر أنه عندما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في منع مواطني بعض الدول الإسلامية من دخول بلاده، كان أشد الأسباب في ثورة العديد من حكماء أميركا، هو أن بعض مواطني تلك الدول التي يرغب ترامب منعهم من الدخول، قدموا لأميركا خدمات أكبر مما يقدمه ترامب ذاته، وتداول الإعلام الأميركي في هذا الوقت أسماء العالم المصري أحمد زويل وأسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، وكريم عبدالجبار، وغيرهم من الأسماء التي رفعت اسم أميركا عاليا في كافة المحافل رياضيا وعلميا وسياسيا واقتصاديا، وهنا أصابتني الدهشة فحتى من يدافعون عنا، يدافعون لأنهم بحاجة لسرقة عقولنا النابهة، والاستفادة منهم في بناء رفاهية المواطن الغربي عموما، فالأمر أقرب إلى نظرة أسلافهم الذين استجلبوا العبيد من القارة السمراء لبناء أميركا التي يتشدقون دوما بأنها أكبر أعجوبة.
ولعل هذه الصورة الذهنية قد تجاوزها أصدقاؤنا في شرق آسيا، وسعوا بوضوح إلى هجرة عكسية استفادت من الخبرات الغربية أيما استفادة، وقاموا بتطبيق التجربة النهضوية وفق خصوصيتهم، فنجحت اليابان والصين وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية بشكل كبير، لدرجة جعلت ترامب ذاته يصل إلى الحكم بوعود أهمها تجريد تلك الدول من مكاسبها، وإعادة الهيبة للاقتصاد الأميركي، الذي سمح في فترة من الزمن لتقدم تلك الدول، وهو ما أدى لفوزه الذي مثل صدمة لكافة المتابعين.
وبعيدا عن أميركا، فقد فازت فرنسا أمس الأول بكأس العالم بفريق قوامه من الفرنسيين من أصول إفريقية، أو من كان يسميهم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بحثالة الضواحي، أو ممثلة اليمين الفرنسي التي اقتربت من الفوز مرتين متتاليتين بالرئاسة الفرنسية ودخلت الإعادة هي ومن قبلها أبوها بفضل دعواتها الدائمة لطرد هؤلاء، ولكن من أعطاها الأصوات سنراه اليوم يستقبلهم استقبال الأبطال، وبالتأكيد نصفهم مسلمون يصفهم الإعلام الفرنسي ليل نهار ويوصمهم بالإرهاب، لِمَ لا؟ فحتى لو بقيت نظرة الاحتقار تجاه أبناء الشرق، لكنهم قاموا بواجبهم تجاه فرنسا، وقدموا جائزة جديدة من جوائز الرفاهية للمواطن الأوروبي، الذي يعيش بفضل ما بناه أسلاف هؤلاء الذين ينادي ليل نهار بطردهم، ومن خيرات بلدان سرقت بفعل استعماري سابق وانتهازي حالي، لذا علينا نسيان حلم التغريب الذي أضحى يرادف التميز لدينا. صحيح أن لدينا مشكلات كبرى حكاما ومحكومين، لكن يظل الأمل في قراءة التجربة الشرق آسيوية، ومحاولة البناء عليها ليعود للشرق بريقه الذي كان في غابر الأزمان، المسألة ليست رغبة عاطفية، لكنها حالة من الاعتزاز بالذات يجب أن يبنى عليها الفكر الذي يسعى للارتقاء، رغبة حقيقية تعكس ثقة في الذات، فمسألة أن الفرصة لن توجد إلا بالغرب لها جزء من الحقيقة، لكن الحقيقة الكاملة أنها تؤيد النظرة الدونية التي ينظر بها الغرب نحونا، وتؤكد أن التميز الغربي هو من يلهم المتفوقين من أبناء الشرق، والحقيقة الجزئية نعم، لكن لكي تكتمل الصورة، يجب أن نرى في التاريخ العالمي الإسهامات الحقيقية لحضارات عاشت في الشرق وكانت قبلة زمانها، فأسس القوة والتقدم واحدة، أهمها اقتناص المواهب من الأعداء قبل الأصدقاء، والاستفادة منها في مرحلة الصحوة والبناء.

إلى الأعلى