الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات ..

تجليات ..

محافظة الوسطى .. سماء الشعر على الأرض!!
أيها القارئ العزيز، في هذا العدد سنعود بك إلى أرض البدو الكرماء، أرض الشعر الأصيل، سنعود لتقفّي أثر الشعر الجميل على رملة الوادي الناعمة، سنعود إلى ولاية “الجازر” بمحافظة الوسطى. لنحتفي بشعراء شكلتهم البيئة فشكلوا ألوانها وحددوا ظلالها. شعراء كتبوا للحياة والحب والطبيعة بعفوية الإنسان وعظمة الموهبة..

مقدمة

كنّا قد نشرنا سابقا تفاصيل رحلتنا الشعرية في محافظة الوسطى، وقد نشرنا لقاءات مختلفة مع شعراء المحافظة كما نشرنا لقاءات أخرى مع رواة حكوا لنا قصائد توثّق لأول مرة كونها لشعراء رحلوا عنّا، ومن يرغب متابعة تلك اللقاءات فسيجدها عبر الشبكة الالكترونية محفوظة في أرشيف جريدة “الوطن ملحق أشرعة”.. وفي هذا العدد سنتابع سرد ذاكرة الأرض الطيبة، مستنطقين ظل الأشجار الوارفة بالشعر الأصيل.. شعر الحكمة العميق والغزل الأنيق. سنتوقف مع الشاعر غاسي بن مسلم بن متوّه الجنيبي الذي أتحفنا بمجموعة من قصائده الجميلة الآسرة وكنّا قد ألتقيناه في رحلتنا للمحافظة..

البادية في نبض شعرائها

يتميّز شعراء محافظة الوسطى بالوصف الدقيق، فقصائدهم تحاكي الحياة التي يعيشون، والشاعر غاسي بن مسلم الجنيبي واحد من أعذب الشعراء وأروعهم، فهو مبهر بأسلوبه ومشوّق بلغته الشعرية، ولعل الأبيات التي سنذكرها خير ما نستدل به على موهبة الشاعر الأصيلة التي صقلتها حياة مليئة بالتجارب والمعرفة. يصف لنا الشاعر في قصيدته القادمة لحظات الفراق ولوعة الشوق والوجد، يلتقط مشاهد من اتجاهات وأبعاد شتّى، يجمعها نمط حياة عامرة بالرحيل والحب والشعر:

يا وجد قلبي على اللي ساكنين البر
ويا ويح قلبي اذا ما هم بزياره
ويا همل دمعي عليهم يوم باتِنْثِر
عينٍ على شوفهم ما تكون عذّاره
شل (النصخ)(1) من مكانه وْجرّه جر
وأثنى بسكينٍ على حيله وباره
لي من تبسّم على ثغره يبين الدر
والصدر ميدان طيّارٍ بطيّاره
وإذا تخطّف هشيم العشب له يثمر
كنّه مزونٍ تساكب من طرف داره
سلامي عليه باعداد شرتٍ عليّه مر
أحبّه محبّة حيل ما فيّه عباره
غيورٍ عليه اغتار م الشيل يوم ( ايتر)(2)
وأموت م الغيره إذا يزقره جاره
أعض صبعي اليمين ومرّه الأيسر
وأعوّذ من الشيطان وارميه بحجاره
أنا دليل البعد وأعرف وين يقر
ترى على بعدهم نزله ومظهاره
فوق الذي م الوكاله مطلّع حر
وابساحة (الطبلون) منتشره اصفاره
يفرح به اللي على النيّه معزّم بر
وإتذكّر الخل إللي من ( ميل) (3) ما زاره

هكذا يوثق الشاعر البدوي تاريخه المتشبث بالأرض، إن كل قصيدة هي في الحقيقية صورة فوتوغرافية للمكان، وهي بلا شك رؤية صادقة للزمان المتجسّد في تلويحة شمس شارقة من خلف أشجار السمر الباسمة، أو شمس غاربة من خلف التلال والسيوح الفسيحة. في القصيدة القادمة سنسافر بين الشروق والغروب مع شاعر يجيد اقتناص الدهشة :

البارحه هاجوس قلبي سرى به
في حندسٍ ظلمى وشيكه وهيبه
وأزهى بفكرٍ م الخيال ومشى به
عنّاه وأنحى به لديرة حبيبه
ديرة ربوعٍ ساكنين الهضابه
في مهمهٍ ند النقايا وكيبه
أحوالهم منها الفكر والغرابه
وأشكالهم فيها مزايا غريبه
للضيف تقدير وبشاشة رحابه
فرحين تلقاهم شبابٍ وشيبه
ربعٍ خذوني مثل وخذ النهابه
كأنها كتابتهم عليّه جليبه
كل يوم بنحايل جداهم طلابه
ما تردني عنهم سيوف الحريبه
كلٍّ عطاني من نصايح مجابه
واللي نصحني ما استمع له وجيبه
غامرت له كنِّي عليّه حرابه
حظّ أبايع به ( وشنص)(4) أشتري به
ودفعت مضنون الوفا للقرابه
هديةٍ لأهل الصدور الرحيبه
حسّبت جوي خاليٍ م الرقابه
ولي خل في شؤْني إلهي حسيبه
وقلبٍ على الزينات شوقه رمى به
آذيت مِنْه ولا النصايح تجيبه
أنا وقلبي كل يوم بْحرابه
سيفٍ أدافع به وترس أتقي به

الشعر هو فطرة البدو

جيل بعد جيل، يزهر الشعر من سدر البدو الأخضر، لكل شاعر حكايته الخاصة، غير أن بعض الحكايات هي سيرة تُروى بين الأجيال. إن إبن الشاعر هو شاعر بالفطرة!!، وليس من الغريب أن نجد عائلة كل أفرادها يقولون الشعر، فللشعر جيناته الوراثية التي تنتقل بين الأجيال، لنتعرف كيف استطاع الشاعر الشاب استفزاز والده ليكتب قصيدة رائعة، فقد كتب صقر بن غاسي أبياتا بغاية معرفة رد والده، ونحن نختار من قصيدة صقر هذه الأبيات الجميلة :

يا والدي سرّح وأنا صوبكم منعوت
منعوت في خير لا فرقا ولا تشتيت
ولا تحط شكواي في سردابها مكبوت
من أكبر أقول اه يا ليتني يا ليت
من راس مارب على الغيظه على صيحوت
والسند والهند واضع محوره تفتيت

جاء رد الوالد مغلفا بالحكمة العميقة والموعظة المهيبة، ولعل البيت الأخير هو روح الفلسفة وعظمتها:

شعرك لفاني وحبيته بكل وقوت
عد ساعات الدقايق على التوقيت
صون المراجل وزيّنها بلبس بشوت
والبس بها تاج من حلّه ومن جاكيت
عوايد الفكر عندك ما غدا مشتوت
لنك بحكمه وضعته موضع ٍ تثبيت
عوايدك بصوايد قبضتك ما اتفوت
وتعز نفسك عن الدنوات واعتزّيت
في أول الدهر يا صقر البيوت بيوت
وفي آخر الوقت بتشوف البيوت بويت

خاتمة

هكذا هي عمان، منبت الحضارة والمجد والشعر الخالد، سنقتفي أثر كل شاعر تصادفه أسماعنا أو أبصارنا، سنسافر خلف هَبوب الذاكرة علّنا نَفِي هذا البلد العظيم حقّه علينا.. في العدد القادم سنواصل سرد ذاكرة محافظة الوسطى، أرض الشعر الأصيل..

الهوامش:

(1)- النصخ أي النَفَس..
(2) أيتر، بمعنى تسحب، والمعنى شال المرأة حينما ينسحب من على الرأس..
(3) ميل، تقال بمعنى زمن وعمر ، من ميل أي من زمن …
(4) شنص، كلمة معربة chance)) وتعني حظ..

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى