السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / عن درويش الذي ما زل حيًا في مكانٍ ما

عن درويش الذي ما زل حيًا في مكانٍ ما

أنا من هناك. ولي ذكرياتٌ . ولدت كما تولد الناس. لي والدة
وبيتٌ كثير النوافذِ. لي إخوةٌ. أصدقاء. وسجنٌ بنافذة باردهْ.
لي موجةٌ خطفتها النوارس. لي مشهدي الخاص. لي عشبةٌ زائدهْ.

حينما نظرت إلى صور جنود الإحتلال وهم يجمعون أمتعتهم، وينسحبون من غزة العزة بعد أربعة أسابيع من العدوان الذي خلف (1875) شهيدا وجرائم فاقت التصورات، لم أجد أقوى من كلمات محمود درويش لتشيعهم، وإرسالهم إلى الجحيم الذي جاءوا منه..
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا.
لم يكن درويش حاضرا ليقرأ عليهم كلماته هذه، لكن وجدان أمة من الخليج إلى المحيط كانت تردد كلماته، وتنتشي بقصيده، على وقع أنغام رفاق الحياة مرسيل خليفة والثلاثي جبران.. وكانت ذكرى رحيله السادسة التي حلت بالأمس (9 أغسطس)، مناسبة أخرى لتذكر درويش، حيث وجدتني أقرأ بعض الكلمات على الصديق هلال البادي في البرنامج الإذاعي قدمه في ذكرى رحيل درويش.
***
تسألني عن محمود درويش .. وأقول بعضًا مما قلت عنه يوم رحيله في مثل هذا اليوم قبل ست سنوات.. هذا الشاعر الذي قدر له أن يعيش بين المنافي والسجون، يحمل على أكتافه عذابات اغتصاب الأرض، وتدنيس الحرمات.. يحكي بإصرار الواثق من العودة إلى الوطن، ليعيد تشكيل الطفولة والحكايات الجميلة.. من يصدق أنه قد رحل عنا رحيلا أبديا، وكأني بالموت يطرق بابه، ويتكئ قرب سريره، يستمع آخر قصائده، قبل يطوقه، ويعلن ساعة الرحيل..
وكأنني قد متُّ قبل الآن…
أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ . رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
ما أُريدُ …
سأصيرُ يوماً ما أُريدُ .
أعرف محمود درويش عبر اشعاره ونثرياته، وكثيرا ما استمعت إليه وهو يقذف رصاصه جهة المغتصب، ويبث العزيمة والحماس في قلوب قراءه ومستمعيه، كان يرفع يديه وهو يقول: كم كنت وحدك.. كم كنت وحدك.. هي هجرة أخرى.. فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما.. سقط السقوط، وأنت تعلو.. فكرة.. ويدا.. وشاما!.
وانهض من مكاني عن بعد..
اشعر إنه يستحثنا للإعتزاز بالنفس..
للوثوق بالغد القادم، الذي يندحر فيه المغتصب وتعود الأرض ترفل بثمار الزيتون والبرتقال.. ويعود الفارس إلى الجليل، يسبقه شوق الحنين الى خبز امه.. والى كرمات العنب ورائحة البنفسج والياسمين. وحكايا الطفولة.. كأنّي أعود إلى ما مضى.. كأنّي أسيرُ أمامي.. وبين البلاط وبين الرضا.. أعيدُ انسجامي.. أنا ولد الكلمات البسيطة.. وشهيدُ الخريطة.. أنا زهرةُ المشمش العائلية.. فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل.. من البدء حتّى الجليل.. أعيدوا إليّ يديّ.. أعيدوا إليّ الهويّة!.
***
أتذكر هنا لقاء يتيم جمعني به وجها لوجه، خانتني الكلمات حينها، وتلعثم لساني عن النطق حتى باسمه، وجدته هكذا فجاءة امامي، بقامته الشامخة، بكبرياء الشاعر، وعنفوان القصيد الذي يكتبه، كنت احاول لم حروفي، وربط كلماتي..
ولم أستطع إلى ذلك سبيلا..
كل ما قمت به، إنني نظرت إلى وجهه، وقرأت في قسماته، ما أقرأءه في قصيده، نظرت الى خبز أمي، والى يوسف واخوانه، والى المارون عبر الكلمات العابرة، والى الحصان الذي تُرك وحيدا.. والفراشة التي لم يعد لها أثر.. الى الحصار المرتسم في عينيه، الى المنافي التي تتقاذفه في دهاليزها.. وحقيبته التي يحمل بدخلها بطاقة هويته العربية..
ونظرت الى الأرض المقدسة.. والى الذين اسقطوا اسمها من جواز السفر..
وقرأت بين عينيه، لغة المنفى والبعد عن الوطن، وكأني بالدمعة التي انساحت ذات صباح من عينيه، والتي هلت لأن ثمة وطن محفور في قلبه، لم يعد في مكانه.. لأن بيته الذي شهد طفولته لم يكن هناك.. ولم يكن هناك اصدقاء الطفولة، ولا وجد ضحكاتهم.. وحكاياتهم البريئة..
وحيدة..
امه تنتظره..
كما تنتظر عودة الأرض.. وازهار الياسمين والبرتقال.. يناجيها.. خذيني أمّي إذا عدت يوماً وشاحاً لهدبك.. وغطّي عظامي بعشب.. تعمّد من طهر كعبك.. وشدّي وثاقي.. بخصلة شَعر.. بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك.. عساني أصير إلهًا.. إلهًا أصير.. إذا ما لمست قرارة قلبك!.
***
في أكتوبر 2013م، قُدر لي أن أزور الأراضي المحتلة، وأن أدخل أرض فلسطين، وأتنسم هواءها، كان من أول من سألت عنه هو محمود درويش، وفي أي ثرى على هذه الأرض، يسكن جسده، وكانت الإجابة التي أسعدتني، قريبا من هذا المكان ــ رام الله ــ على ربوة يناظرك بشطر، وشطر يئمم جهة القدس، العاصمة الأبدية والتاريخية لفلسطين.
أمام ضريح درويش، وقفت أنظر للكلمات التي خطت على شاهدة صخرية عالية، وقد حفر عليها قول درويش: “أثر الفراشة لا يرىُ، أثر الفراشة لا يزول”.
ثمة أزهار فوضوية اللون كما وصفها درويش، في جداريته تحيط بالضريح:
“متران من هذا التراب سيكفيان الآن…
لي متر و75 سنتمترا
والباقي لزهر فوضوي اللون..
يشربني على مهل”.
وعلى الضريح، خط مقطع من قصيدة “يطير الحمام”.. ” ونم يا حبيبي. عليك ضفائر شعري، عليك السلام”..
وكان ذا لقائي الثاني بدرويش، وهذه المرة كما في المرة الأولى، لم أتحاور معه، ولم أنبس ببنت شفة، كل ما قمت به، أنني قرأت الكلمات القليلة المتناثرة على الضريح، وفي داخل المتحف المقام له، والذي يخلد مراحل من حياته، ويحوي بعض متعلقاته، قرأتها، وكأني أسمع محمود درويش يرددها على مسامعي.. قبل أن أنصرف من المكان، وأحتفظ ببعض صور لي في المكان، ضممتها إلى ذاكرتي، إلى أجل غير مسمى.
***
في أحد نصوصه كتب محمود درويش “لا بد للقصيدة وأن تكون محرثا وقنبلة”.. واليوم وبعد أن تعرفت عليه بصورة أكبر، تيقنت أن قصيده كان كذلك.. كان محراثا وقنبلة .

مقاطع من نص طويل عن محمود درويش

خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى