الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الأيدي العاملة الوافدة .. إضافة أم عبء؟

الأيدي العاملة الوافدة .. إضافة أم عبء؟

محمد عبد الصادق

التعامل مع إشكاليات الأيدي العاملة الوافدة، يحتاج قدرا من التفكير العقلاني، والبعد عن الانفعال والمبالغات، فلا نعتبرهم شرا مستطيرا يجب التخلص منهم، ولا ملائكة ينبغي الإكثار من عددهم، بل الأمر يحتاج تحليلا علميا لأرقام ونوعيات وتخصصات هذه الأعداد، حتى تكون الأحكام منصفة، فالإحصائيات الأخيرة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أن معظم المهن التي تتركز فيها الأيدي العاملة الوافدة تعتبر من المهن التي يقل الإقبال عليها من الأيدي العاملة الوطنية..

كلما صدر تقرير عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات عن نمو أعداد الأيدي العاملة الوافدة أو صدر بيان عن البنك المركزي يشير لزيادة التحويلات المالية التي يرسلها الوافدون إلى الخارج، إلا وضجت مواقع التواصل الاجتماعي غضبا واعتراضا على استمرار هذه الزيادة التي يرونها غير مبررة وتمثل نزيفا في شريان الاقتصاد الوطني، بعد اقتراب عدد الوافدين من نصف عدد السكان وحجم التحويلات في نهاية العام الماضي 2017م، لأكثر من أربعة مليارات ريال عماني، وهو مبلغ كبير مقارنة بحجم الناتج المحلي للسلطنة.
ويعقد المعترضون المقارنات مع الدول المجاورة وحتى مع الولايات المتحدة الأميركية أكبر دولة بها أيدٍ عاملة وافدة، وصاحبة المرتبة الأولى في تحويلات الوافدين للخارج على مستوى العالم والتي تصل لقرابة 60 مليار دولار سنويا، ولكن هذا الرقم لا يمثل 07% من إجمالي الناتج المحلي الأميركي. ونفس الأمر في ألمانيا والمملكة المتحدة التي يقيم على أراضيهما أكبر عدد من الأجانب على مستوى أوروبا، لا تتجاوز نسبة التحويلات 08% من إجمالي الناتج القومي.
وهناك آراء متوازنة، ليس لديها موقف مسبق تجاه الأيدي العاملة الوافدة، ولكنها تدعو لترشيد استقدامها، بحيث يتواجد على أرض السلطنة من يؤدي عملا حقيقيا يضيف للاقتصاد القومي، ولا تكون هذه الوظيفة عبئا أو خصما من الفرص الوظيفية للأيدي العاملة الوطنية.
أما بخصوص التحويلات فأصحاب الآراء المتوازنة يرون أنه يمكن تقليل حجم الأموال المحولة للخارج دون اتخاذ إجراءات عنيفة، بتوفير أسباب صرفها في الداخل، بالتوسع في إنشاء الأماكن الترفيهية وتشجيع الاستثمار في مجالي الصحة والتعليم الخاص: الجامعي وقبل الجامعي بإدخال برامج دولية وعقد شراكات مع جامعات ومعاهد دولية ذات سمعة تعليمية متميزة، تقدم خدمات تعليمية راقية مقابل تكلفة معقولة، تجذب الوافدين لإلحاق أبنائهم بها بدلا من إرسالهم للجامعات الأجنبية أو إلى مسقط رأسهم، وتحويل جزء كبير من دخلهم للدراسة في الخارج.
كما يرى البعض أن تسهيل مرافقة أسرة الوافد إذا كان ذا دخل مناسب يحد من المبالغ الشهرية التي يرسلها لمسقط رأسه، ويحدث حالة من الرواج في سوق العقار والإيجارات وينشط قطاعي التجارة والخدمات.
كما يرى البعض أن منح الوافدين حق تملك الوحدات السكنية بشروط وضوابط محددة، يمكن أن يحد من التحويلات، بل ربما يجذب أموالا واستثمارات من خارج السلطنة.
التعامل مع إشكاليات الأيدي العاملة الوافدة، يحتاج قدرا من التفكير العقلاني، والبعد عن الانفعال والمبالغات، فلا نعتبرهم شرا مستطيرا يجب التخلص منهم، ولا ملائكة ينبغي الإكثار من عددهم، بل الأمر يحتاج تحليلا علميا لأرقام ونوعيات وتخصصات هذه الأعداد، حتى تكون الأحكام منصفة، فالإحصائيات الأخيرة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أن معظم المهن التي تتركز فيها الأيدي العاملة الوافدة تعتبر من المهن التي يقل الإقبال عليها من الأيدي العاملة الوطنية؛ حيث هناك 36% من هذه الأعداد تنشط في مجال الإنشاءات؛ النسبة الأكبر منها عمال متواضعو المهارة يقومون بأعمال يدوية شاقة ومنخفضو الأجر، والنسبة الأقل مهندسون وفنيون وهم أصحاب الرواتب المتوسطة والعالية، والتي يمكن أن تحل محلهم الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة بشكل تدريجي، بحيث لا يتأثر العمل في الشركات التي ظلت تعتمد على العمال الوافدين منذ إنشائها وحتى لا تتعطل المشروعات التي تحتاج تخصصات معينة وقدرا من الخبرة في تنفيذها، والتي يمكن أن تكتسبها الكوادر الوطنية بالاحتكاك والمثابرة.
يأتي بعد ذلك قطاع التجارة وإصلاح المركبات، وهي أنشطة واعدة توفر دخلا مجزيا للعاملين فيها، ويمكن بقليل من التواضع والتدريب تشجيع الشباب العماني على ممارسة مهنة تجارة الجملة والتجزئة، وهناك نماذج وطنية مضيئة حققت نجاحات في هذا المجال، وبدأت بوظيفة صغيرة وتدرجت حتى تبوأت المناصب التنفيذية ومنهم من أنشأ متجره الخاص.
كما أن حرفة إصلاح المركبات من المهن المغرية ماديا وعليها طلب وإقبال كبير، وهناك بالفعل معاهد تدريب وطنية متخصصة لتأهيل الشباب العماني لإتقان فنيات هذه الحرفة، وهناك تهافت كبير على هذه المخرجات من وكالات السيارات للعمل بورش الصيانة، كما يمكن لمجموعة من هذه الكوادر التعاون وافتتاح ورشة لتصليح السيارات ومنافسة الأيدي العاملة الوافدة في الإتقان والأسعار، ولا يحتاج الأمر سوى قدر من الإخلاص وحب المهنة والتحلي بالمسؤولية والعمل الجاد، خصوصا وميكانيكا السيارات تستهوي قطاعا كبيرا من الشباب العماني.
يأتي بعد ذلك قطاع واعد تعتمد عليه خطط السلطنة في تعظيم الدخل من أنشطة غير نفطية، وهو قطاع الصناعات التحويلية، وهو قطاع كثيف العمالة، يمكن أن يوفر وظائف برواتب مجزية ومستدامة للكوادر الوطنية المؤهلة، ولكنه يظل بحاجة إلى الأيدي العاملة الوافدة لتحقيق الجدوى الاقتصادية، عندما يتعلق الأمر بتكلفة التشغيل والأجور والمرتبات.
ثم يأتي نشاط الفندقة والمطاعم والذي يشهد طفرة كبيرة مرتبطة بتبني السلطنة السياحة كرافد اقتصادي واعد تعول عليه في رؤية 2040م؛ حيث يوفر هذا القطاع فرص عمل متعددة بأجور متدرجة، ويزيد فيه الأجر بزيادة سنوات الخبرة، ولكن سيظل هذا القطاع في حاجة للمواطنين والوافدين لاعتماده على شركات واستثمارات عالمية (إنترناشيونال) في إدارته وتشغيله بطريقة احترافية.
وجود أيدٍ عاملة وافدة في دولة ما، مؤشر على صحة وازدهار هذا البلد وتمتع اقتصاده بالنمو والجاذبية، وانصراف الوافدين عن بلد ما، يعني تراجع النمو الاقتصادي والكساد وانعدام الأمل، المهم هو ترشيد استقدام هذه العمالة، بحيث تكون إضافة وإثراء للاقتصاد القومي، وليست عبئا على المرافق والخدمات دون مبرر لتواجدها، أو تكون على حساب الفرص الوظيفية التي من الممكن أن يشغلها المواطن ابن البلد.

إلى الأعلى